وماذا لو أعاد العالم اكتشاف التسامح ؟.نداء إلى العقل في زمن يتراجع فيه الحوار وتتسع فيه دوائر الكراهية .
بقلم – أوزيفة طرابلسي .
قنصل جمهورية تشاد بتونس ومراسل الصحافة الدولية .
يبدو أن العالم، وهو يقطع أشواطاً واسعة في ميادين العلم والتكنولوجيا والاتصال، يتراجع خطوات مقلقة في واحدة من أسمى القيم الإنسانية: القدرة على تقبّل الآخر واحترام الاختلاف والتعايش بسلام.
فبين تصاعد التوترات السياسية، والصراعات الدينية، والانقسامات الأيديولوجية، وسوء الفهم المتبادل بين الشعوب ، أصبح الاختلاف في كثير من الأحيان سبباً للخصومة، وتحول الحوار الذي يفترض أن يكون جسراً للتقارب إلى ساحة للمواجهة وتبادل الاتهامات .
من أوروبا إلى إفريقيا ، ومن الشرق الأوسط إلى الأمريكتين ، تواجه المجتمعات سؤالاً جوهريا يتجاوز حدود السياسة والجغرافيا والثقافة : كيف يمكن للبشر أن يواصلوا العيش معا ، إذا أصبح كل طرف مقتنعا بأنه وحده يمتلك الحقيقة ، وأن كل من يخالفه الرأي خصم ينبغي إقصاؤه أو التشكيك فيه؟.
يمين يخاصم يسارا ، ومحافظون يواجهون تقدميين ، ومؤمنون ينظرون بريبة إلى غير المؤمنين ، وثقافات تتبادل أحكاماً مسبقة، ودول تنسى أحياناً أن اختلاف المصالح والهويات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للكراهية والعداء .
وهكذا تتسع المسافات بين البشر ، لا لأنهم عاجزون عن التواصل ، بل لأنهم يفقدون الرغبة في الإصغاء والفهم .
ولم تعد مظاهر التعصب مجرد خطابات عابرة أو خلافات على منصات التواصل الاجتماعي ، بل أصبحت في مناطق عديدة من العالم وقودا للعنف والاضطهاد والتهجير ، ومصدراً لتمزيق النسيج الاجتماعي وإحياء صراعات قديمة .
وقد تتحول شائعة تستهدف أقلية دينية أو عرقية ، في غضون ساعات ، إلى حملة تحريض وتشويه ، فيما بات الاستقطاب السياسي يهدد الثقة بالمؤسسات ويعطل قدرة المجتمعات على مواجهة أزماتها الاقتصادية والصحية والبيئية بروح جماعية .
وسط هذا المشهد ، يحق لنا أن نتساءل : أين اختفت تلك القيمة النبيلة التي كانت تتيح لأشخاص مختلفين في معتقداتهم وأفكارهم وتوجهاتهم أن يجلسوا معا ، ويتناقشوا باحترام ، وربما تنشأ بينهم صداقة تتجاوز كل الاختلافات ؟
إنها قيمة التسامح ، تلك الفضيلة التي لا تستقيم الإنسانية من دونها ، ولا يمكن لأي حضارة أن تدّعي الرقي إذا عجزت عن احترام الإنسان المختلف عنها .
انّ التسامح ليس ضعفاً، ولا تنازلاً عن المبادئ.
اذ من أكبر الأخطاء التي ارتكبها الإنسان المعاصر أنه أصبح يخلط بين التسامح والتنازل ، وبين احترام الآخر والتخلي عن قناعاته، وبين الاعتدال والضعف .
والحقيقة أن التسامح ليس استسلاما ، ولا يعني التخلي عن الدين أو المعتقد أو الهوية أو التقاليد ، كما لا يعني القبول بالظلم أو السكوت عن الاعتداء على الحقوق والكرامة الإنسانية .
إنه، ببساطة، الاعتراف بحق الآخر في الوجود والتفكير والاختلاف، ما دام يحترم حقوق غيره وحرياتهم وكرامتهم .
فالمسلم يستطيع أن يحترم المسيحي ، والمسيحي يستطيع أن يحترم اليهودي ، والمؤمن يستطيع أن يتحاور مع غير المؤمن ، والإنسان الذي ينتمي إلى اليمين يستطيع أن يعترف بفضائل من ينتمي إلى اليسار، والعكس صحيح .
فلماذا أصبح ضروريا أن ننتمي إلى المعسكر نفسه حتى نحترم بعضنا بعضا ؟ ولماذا يتحول اختلاف الرأي إلى إعلان حرب، ويصبح النقاش مناسبة للتجريح ، وتتحول القناعات الشخصية إلى أحكام نهائية على الآخرين ؟.
لقد سمحنا، شيئاً فشيئا ، بأن يحل الصدام محل الاختلاف، والاتهام محل الحوار، والتخوين محل النقاش، حتى أصبح البعض يرى في التعايش مع المختلف تنازلاً لا يليق به، وفي الاعتراف بوجهة نظر أخرى هزيمة شخصية.
ومع ذلك، تثبت تجارب كثيرة أن طريقاً آخر لا يزال ممكناً.
ففي مدن عديدة، تجمع المبادرات المدنية أشخاصا من ديانات وثقافات مختلفة لمساعدة الأسر المحتاجة ، وتقديم العون للمتضررين ، ومساندة الفئات الهشة .
وفي المدارس والجامعات ، تساهم اللقاءات بين الشباب من خلفيات متعددة في تفكيك الصور النمطية وبناء جسور الثقة ، بما قد تعجز عنه عشرات الخطب والشعارات.
إننا بحاجة إلى استعادة فضيلة التوازن ، وإلى إدراك أن قوة الإنسان لا تقاس بقدرته على هزيمة المختلف معه ، بل بقدرته على احترامه دون أن يفقد ثباته على مبادئه .
انها فضيلة الاعتدال وشجاعة المنطقة الوسطى .
فبين التطرف والتعصب من جهة، والتنازل عن المبادئ من جهة أخرى ، توجد مساحة واسعة للعقل والحكمة والاتزان .
مساحة الاعتدال الذي لا يستسلم للمتطرفين ، ولا يسمح للخلافات بأن تتحول إلى عداوات دائمة .
فالإنسان الناضج هو الذي يمتلك شجاعة مراجعة مواقفه ، والاعتراف بإمكان الخطأ ، والإقرار بأن الحقيقة لا تصبح ملكا حصريا لفرد أو جماعة أو تيار أو أمة .
وليس من العيب أن نختلف ، بل العيب أن نفقد إنسانيتنا ونحن نختلف .
ولا يعني الحوار أن يتبنى الجميع الرأي نفسه، ولا أن تتخلى المجتمعات عن تعدديتها ، بل إن المجتمع المتحضر هو الذي يسمح بتعايش الآراء المتعارضة دون أن يتحول أصحابها إلى أعداء .
والاعتدال ، في جوهره ، ليس مجرد موقف سياسي يقع في منتصف المسافة بين اليمين واليسار ، وإنما هو منهج في التفكير والسلوك : أن نصغي قبل أن نحكم ، وأن نفهم قبل أن ندين ، وأن نبحث عما يجمعنا دون أن ننكر ما يفرقنا .
لقد أثبتت تجارب المصالحة وبناء السلام في أكثر من منطقة أن اللقاء بين الأطراف المتخاصمة ، مهما طال زمن القطيعة بينها ، يمكن أن يفتح أبوابا كانت تبدو مغلقة .
فحين تقبل المجتمعات المتنازعة الجلوس إلى طاولة الحوار ، يصبح بالإمكان إعادة بناء الثقة ، وتأمين الأحياء ، وفتح المدارس ، واستعادة الحياة الطبيعية ، ومنح الأجيال الجديدة فرصة ألا ترث صراعات لم تكن طرفاً في صناعتها .
الحوار لا يمحو الجراح دفعة واحدة، لكنه يمنعها من التحول إلى جراح جديدة، ويمنح العقل فرصة للانتصار على نزوات الانتقام.
الأديان رسائل للمحبة لا أدوات للفرقة .
إن الرسالات الدينية الكبرى، على اختلاف مناهجها وتقاليدها، تحمل في جوهرها قيماً سامية تدعو إلى الرحمة والعدل والإحسان والتكافل واحترام الإنسان.
غير أن المؤلم أن تتحول بعض هذه الرسالات، بفعل التوظيف السياسي أو التعصب أو التأويل المنغلق، إلى أدوات لإثارة الكراهية وإقامة الحواجز بين المجتمعات .
ولا يجوز أن يصبح الدين ذريعة لإهانة الآخر أو اضطهاده أو الانتقاص من كرامته .
فالإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى كراهية المختلف حتى يثبت حضوره ، ولا إلى الإساءة إلى معتقدات الآخرين حتى يدافع عن نفسه .
إن التنوع الديني والثقافي ليس تهديداً للإنسانية ، بل هو أحد أوجه ثرائها الحضاري. وقد قدم التاريخ شواهد كثيرة على أن المجتمعات تستطيع أن تتعايش وتزدهر حين تجعل من الاختلاف فرصة للتعارف والتبادل والإبداع، لا سبباً للصراع والإقصاء .
وفي بلدان عديدة، يلتقي رجال دين مسلمون ومسيحيون ويهود، إلى جانب ممثلين عن معتقدات أخرى، لإدانة العنف ومساندة ضحاياه وتقديم المساعدة للمحتاجين .
وقد لا تحظى هذه المبادرات دائماً بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه، لكنها تقدم دليلاً حياً على أن الدين يمكن أن يكون لغة للتضامن الإنساني، لا وسيلة لتغذية الانقسام .
إن هوية الإنسان تستحق الاحترام، لكن لا ينبغي أن تتحول أي هوية إلى سجن يمنعه من لقاء الآخر أو التعرف إليه أو التعاون معه.
رسالة إلى قادة العالم وصنّاع القرار .
تقع على عاتق القادة السياسيين، والمسؤولين الدينيين، والمثقفين، والإعلاميين، مسؤولية تاريخية وأخلاقية في حماية المجتمعات من الانزلاق إلى دوائر التعصب والانقسام .
فهؤلاء يمتلكون قدرة كبيرة على توجيه الرأي العام، إما نحو التهدئة والتفاهم، وإما نحو التحريض والتصادم. ويمكن للكلمة الصادرة عن مسؤول أن تطفئ نارا ، كما يمكنها أن تشعل فتنة، ويمكن للإعلام أن يكون جسراً بين الشعوب، كما يمكن أن يتحول إلى منصة لتكريس الأحكام المسبقة وتوسيع دائرة العداء.
إن الشجاعة السياسية الحقيقية لا تكمن دائماً في إطلاق أكثر التصريحات حدة ، ولا في رفع سقف المواجهة، وإنما قد تتجلى في القدرة على مد اليد إلى الخصم ، والجلوس مع المختلف ، والبحث عن حلول تحفظ الكرامة والمصالح وتجنب الشعوب كلفة الصراعات.
وقد أكدت الأزمات المتعاقبة أن الحلول التي تقوم على التشاور مع المجتمعات المحلية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، والمنظمات الإنسانية ، غالبا ما تكون أكثر فاعلية وقبولا .
أما حين تتقدم المخاوف وخطابات الوصم والإقصاء ، فإن المجتمعات تنغلق على نفسها ، وتتراجع الثقة ، وتتعقد فرص المعالجة.
ولا يعني الدفاع عن التسامح أن نقبل كل شيء أو نتساهل مع الانتهاكات . فالعنصرية، والاضطهاد، والتحريض على العنف، وانتهاك الكرامة الإنسانية، ممارسات يجب مواجهتها بحزم، وفق القانون والعدالة.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين الحزم في الدفاع عن المبادئ، والتعصب الذي ينكر على الآخرين حقهم في الوجود والاختلاف. فليس كل تسامح ضعفاً، وليس كل تشدد في الموقف شجاعة، وليست كل مصالحة تنازلاً.
التسامح مسؤولية تبدأ من داخلنا .
كثيراً ما نطالب رؤساء الدول بإحلال السلام، ونناشد رجال الدين التقارب، وندعو المجتمعات إلى نبذ التعصب، لكن السؤال الأكثر أهمية هو : ماذا نفعل نحن في حياتنا اليومية؟ .
هل نستطيع الإصغاء إلى شخص يخالفنا الرأي دون مقاطعته أو السخرية منه ؟ وهل نقبل احترام تقاليد لا تشبه تقاليدنا ؟ وهل نمنح الآخر حق التفكير بطريقة مختلفة دون أن نسارع إلى إدانته أو محاولة إلغائه ؟.
إن التسامح لا يبدأ في القصور الرئاسية ولا في المؤتمرات الدولية وحدها ، بل يبدأ داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي الجامعة ، وفي الحي ، وفي مكان العمل ، وحتى في أبسط أحاديثنا اليومية .
يبدأ حين نتعلم أن نحترم الإنسان قبل أن نتفق معه ، وأن نفصل بين الاختلاف في الأفكار والانتقاص من قيمة أصحابها، وأن ندرك أن كرامة الآخر ليست مشروطة بتبنيه لقناعاتنا .
قد يبدو لقاء بسيط بين سكان حي واحد ينتمون إلى ثقافات مختلفة أمراً عاديا ، وقد تبدو مدرسة تستقبل أطفالاً من خلفيات متعددة مجرد تجربة تربوية ، وقد يبدو فريق عمل يتجاوز أحكامه المسبقة نموذجاً محدوداً للتعايش. لكنها في الحقيقة اللبنات الأولى لبناء مجتمعات أكثر تماسكاً وثقة .
فالثقة لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى بالتجارب الصادقة، واللقاءات المتكررة، والمواقف التي تثبت أن الاختلاف لا يمنع التعاون، وأن الاحترام لا يحتاج إلى تشابه.
– خاتمة : العالم لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية، بل إلى شجاعة التفاهم.
يا للمفارقة! لقد أصبح الإنسان قادراً على التواصل الفوري مع شخص يبعد عنه آلاف الكيلومترات ، بفضل ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، لكنه قد يعجز في الوقت نفسه عن الاستماع إلى جاره أو احترام رأي مخالف داخل أسرته أو مجتمعه .
امتلكنا وسائل الاتصال ، لكننا لم ننجح دائماً في امتلاك ثقافة التواصل .
اقتربت المسافات الجغرافية، فيما اتسعت المسافات النفسية والفكرية بين البشر .
إن عالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الجدران ، ولا إلى مزيد من خطابات الكراهية ، ولا إلى سباق جديد في صناعة الخصومات ، بل يحتاج إلى استعادة العقل والحكمة ، وإلى إعادة الاعتبار للإنسان باعتباره قيمة تتقدم على الانتماءات الضيقة والحسابات العابرة .
لسنا مطالبين بأن نتشابه حتى نتعايش ، ولا بأن نتفق حتى نحترم بعضنا بعضا .
فلسنا بحاجة إلى عقيدة واحدة أو ثقافة واحدة أو رأي واحد حتى نتشارك في إنسانيتنا .
فالسلام لا يولد من إلغاء الاختلاف ، وإنما من امتلاك الشجاعة والوعي اللازمين لإدارته . والعدالة تظل أساساً لا غنى عنه لأي مصالحة حقيقية، فيما يفتح الحوار الطريق أمام ترميم الثقة وإعادة بناء الجسور بين المجتمعات .
إن المبادرات الإنسانية ، واللقاءات بين الثقافات ، والتعاون بين الأديان ، والحوار بين الأجيال ، كلها شواهد على أن الأمل لا يزال ممكنا ، وأن الإنسان قادر على تجاوز خلافاته متى اختار أن يجعل العقل أقوى من التعصب ، والرحمة أسمى من الانتقام، والكرامة أسبق من المصالح الضيقة .
فماذا لو أعاد العالم اكتشاف التسامح؟ وماذا لو أدرك قادته وشعوبه أن عظمة الحضارات لا تقاس فقط بما تنتجه من ثروة أو تكنولوجيا أو قوة عسكرية، وإنما أيضاً بما تمنحه للإنسان من كرامة وأمان وحرية في الاختلاف؟.
لعل أعظم إنجاز يمكن أن تحققه الحضارة الإنسانية اليوم ليس اختراع وسيلة اتصال جديدة ، ولا بلوغ كوكب بعيد ، بل أن تتعلم من جديد كيف تحترم الإنسان الذي يقف أمامها ، حتى وإن كان مختلفا عنها في كل شيء .
فالتسامح ليس أن نفكر جميعا بالطريقة نفسها ، بل أن نمتلك من الحكمة ما يجعلنا قادرين على العيش معاً رغم اختلافاتنا .
إنها ليست دعوة إلى عالم بلا اختلاف، بل إلى عالم لا تتحول فيه الاختلافات إلى كراهية ، ولا يصبح فيه الحوار ترفا ، ولا تكون فيه الإنسانية أول ضحايا الخلاف .
