الإمبراطورية الإيرانية.. مشروع مذهبي بحدود الاحتلال .
بقلم: أبوبكر الصغير .
ليست أخطر المشاريع السياسية تلك التي تعلن أهدافها العسكرية صراحة، بل تلك التي تتخفّى وراء الشعارات الدينية والوحدة الحضارية، ثم تكشف خرائطها عن أطماع تتجاوز حدود الدول وسيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.
وهذا بالضبط ما يستوقفنا في التصور الذي طرحه بوق طهران حسن أحمديان بشأن إقامة ما سماه ” الجمهورية العربية المتحدة ” ، وهو تصور يستحق قراءة متأنية، لا باعتباره مجرد اجتهاد دستوري أو خيال سياسي، وإنما بالنظر إلى ما يتضمنه من إعادة رسم جذرية لخريطة المنطقة العربية، وإخضاعها لنظام سياسي ذي مرجعية مذهبية عابرة للحدود .
إن أخطر ما في هذا الطرح ليس اختيار المدينة المنورة عاصمة اتحادية ، ولا استحداث مؤسسات تحمل أسماء دينية ، بل أن صاحبه يتحدث عن دول عربية قائمة ، ذات سيادة وعضوية في الأمم المتحدة، وكأنها أقاليم قابلة لإعادة التقسيم والضم وإعادة التشكيل بقرار من تصور سياسي واحد . فسوريا وفلسطين والأردن تصبح ولاية الشام، والحجاز ونجد يعاد تنظيمهما، واليمن يقسم إلى ولايتين، وعُمان والإمارات تجمعان في ولاية واحدة، والبحرين وقطر والأحساء تدرج في كيان جديد، فيما تضم العراق والكويت في إمارة اتحادية تمتد إلى أجزاء من شرق الجزيرة العربية .
أي حديث عن الوحدة يمكن أن يستقيم مع مصادرة إرادة هذه الشعوب ، وإعادة توزيع أراضيها وحدودها من دون تفويض من مواطنيها أو موافقة دولها ؟ وأي مشروع اتحادي هذا الذي يبدأ برسم خرائط الآخرين قبل أن يسألهم إن كانوا يريدون الانضمام إليه أصلا ؟.
لكن الأخطر من الجغرافيا هو طبيعة السلطة التي يقترحها أحمديان . فهو لا يتحدث عن اتحاد ديمقراطي بين دول مستقلة، تتوافق شعوبها طوعاً على دستور مشترك، وإنما يضع على رأس هذا الكيان منصب ” الإمام الأكبر ” بطبيعة الحال يكون شيعيا من ملالي طهران ، ويمنحه قيادة القوات المسلحة وإدارة السياسة الخارجية والسلطة التنفيذية العليا، مع اشتراط توفر شروط شرعية للإمامة .
ثم ينشئ مؤسسات تشريعية تحمل بدورها تسميات دينية، في مقدمتها ” مجلس الأئمة ” .
وهنا يبرز السؤال الجوهري : هل نحن أمام مشروع وحدة عربية حقيقية، أم أمام محاولة لإعادة إنتاج نموذج ولاية الفقيه الإيرانية في صيغة إقليمية أوسع ، تمنح مرجعية دينية ذات طابع مذهبي سلطة سياسية وعسكرية على شعوب متعددة المذاهب والأديان والثقافات؟
إن استخدام مفردات الجمهورية والانتخاب والفيدرالية والحكم الذاتي لا يغير بالضرورة خطورة المشروع أو طبيعته . فالديمقراطية لا تقاس بعدد المجالس والمؤسسات التي يتضمنها الدستور ، وإنما بمدى احترام إرادة المواطنين ، وحقهم في اختيار نظامهم السياسي ، ورفض إخضاعهم لمرجعية لم يفوضوها .
ومن اللافت أن هذا التصور لا يكتفي بضم الدول العربية في كيان اتحادي، بل يتعامل مع وحدتها الوطنية وحدودها السياسية وكأنها مجرد تفاصيل إدارية يمكن تعديلها.
فالإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والبحرين وقطر والكويت والسعودية والعراق والأردن وسوريا واليمن وفلسطين ليست قطعاً على رقعة شطرنج إيرانية ، وليست أقاليم تنتظر من يرسم لها خرائط جديدة من خارج حدودها.
إنها دول وشعوب وتاريخ وهوية وسيادة، قامت على إرادة وطنية، ولا يملك أي منظر سياسي أو مرجعية عقائدية حق إعادة تشكيلها أو توزيع أراضيها وفق تصورات أيديولوجية عابرة للحدود .
والأكثر إثارة للانتباه أن صاحب هذا التصور يختار المدينة المنورة عاصمة لهذا الكيان المفترض .
والمدينة المنورة ليست مجرد موقع جغرافي يمكن إدراجه في خرائط المشاريع السياسية، بل هي مدينة ذات مكانة إسلامية استثنائية، وتقع ضمن سيادة المملكة العربية السعودية. ومن ثم فإن الحديث عن جعلها عاصمة لدولة افتراضية تمتد على معظم المنطقة العربية يطرح إشكالية سيادية وعقائدية وسياسية بالغة الخطورة .
فهل استأذن صاحب هذا المشروع و هو من قادة للحرس الثوري الإيراني ، المملكة العربية السعودية ؟ وهل وافق أهل المدينة المنورة على أن تتحول مدينتهم إلى عاصمة لكيان سياسي ذي مرجعية إمامية ؟ ومن خوّل له أن يتحدث باسم سكان الحجاز ونجد أو يقرر مستقبل أراضيهم؟.
إن هذه الأسئلة ليست تفاصيل هامشية، بل تكشف التناقض العميق بين خطاب الوحدة الذي يرفعه المشروع والواقع السياسي الذي يفترضه .
ولا يمكن قراءة هذا التنظير بمعزل عن تاريخ السياسات الإقليمية للنظام الإيراني ، الذي بنى جانباً مهماً من نفوذه الخارجي على دعم تشكيلات إرهابية مسلحة وميليشيات مرتبطة به، وتوسيع حضوره السياسي والأمني في عدد من الدول العربية، مستندا إلى خطاب تصدير الثورة والولاء العابر للحدود .
وقد شهد العراق وسوريا ولبنان واليمن نماذج مختلفة من هذا النفوذ، وما رافقه من اختلالات في مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح والقرار السيادي.
وهنا تكمن خطورة الانتقال من النفوذ إلى التنظير للكيان السياسي الجامع.
فإذا كانت الميليشيات الإرهابية توفر أدوات التأثير الميداني، فإن المشاريع الأيديولوجية توفر الغطاء الفكري لإعادة صياغة المنطقة وفق رؤية تتجاوز الدولة الوطنية، وتضع الانتماء العقائدي فوق الانتماء الوطني.
ان صدور هذا المشروع عن باحث إيراني متخصص في شؤون الشرق الأوسط، ومعروف بحضوره في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية الإيرانية، و احد رجالات الحرس الثوري يمنحه أهمية تستوجب المساءلة والنقاش، لا التجاهل ولا التسليم بأنه مجرد تمرين أكاديمي بريء .
إن العرب ليسوا في حاجة إلى إمبراطورية جديدة ، ولا إلى خلافة مذهبية ، ولا إلى إمامة سياسية إيرانية تتجاوز حدود الدول وتعيد رسم خرائطها.
وهم ليسوا ضد الوحدة أو التعاون أو التكامل، بل إنهم أحوج ما يكونون إلى مشروع عربي حقيقي يقوم على المصالح المشتركة، والتكامل الاقتصادي، والتعاون الأمني، واحترام استقلال الدول وسيادتها، بعيدا عن الهيمنة والتبعية وتصدير الأيديولوجيات.
إن الوحدة التي لا تقوم على رضا الشعوب ليست وحدة ، والفيدرالية التي تبدأ بمصادرة الخرائط ليست شراكة ، والانتخابات التي تسبقها وصاية عقائدية لا تصنع ديمقراطية.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى أصحاب هذه المشاريع هي أن مكة والمدينة والحجاز ونجد والخليج وبلاد الشام والعراق واليمن ليست أراضي سائبة ، وأن عواصم العرب ليست جوائز في سباق النفوذ الإقليمي .
فالدول لا تُبتلع تحت شعار الوحدة، والشعوب لا تُحكم باسم العقيدة دون إرادتها، والسيادة الوطنية ليست تفصيلاً قابلاً للتفاوض.
إن أخطر ما يكشفه هذا التنظير الإيراني ليس مجرد خريطة متخيلة، بل عقلية سياسية راسخة في طهران لا تزال تنظر إلى المنطقة العربية باعتبارها مجالاً مفتوحاً لإعادة التشكيل وفق طموحات أيديولوجية و عقائدية تتجاوز حدود إيران. وتلك رسالة تحذير تستوجب يقظة عربية، لأن مواجهة مشاريع الهيمنة الإيرانية تبدأ أولاً بفضح مشاريعها و كشف أفكارها قبل أن تتحول إلى وقائع على الأرض.
