عبد الرحمن السيد .. من أصول مصرية إلى قمة التشريع الأمريكي .. انتصار تاريخي يعيد رسم موازين الديمقراطيين .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن فوز عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي مجرد انتصار انتخابي في ولاية ميشيغان ، بل كان حدثاً سياسياً وتاريخياً يحمل دلالات تتجاوز حدود الجغرافيا الأمريكية، ويكشف عن تحولات عميقة في المجتمع الأمريكي، وفي طبيعة التوازنات داخل الحزب الديمقراطي، وفي حدود حضور المسلمين والعرب في مؤسسات صناعة القرار بأقوى دولة في العالم .
ففي انتخابات الثالث من نوفمبر 2026، نجح الطبيب والسياسي الديمقراطي عبد الرحمن السيد، البالغ من العمر 42 عاماً، في هزيمة منافسه الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، في سابقة تاريخية تفتح صفحة جديدة في مسار التمثيل السياسي للمسلمين داخل الولايات المتحدة. ومن المنتظر أن يتولى مهامه رسمياً في يناير 2027.
إن أهمية هذا الانتصار لا تكمن فقط في الخلفية العربية والإسلامية للرجل، ولا في رمزيته باعتباره ابن مهاجرين مصريين وصل إلى واحدة من أرفع المؤسسات التشريعية الأمريكية ، وإنما في طبيعة المعركة التي خاضها، والرسائل السياسية التي حملها، والقدرة التي أظهرها على اختراق موازين القوى التقليدية داخل حزبه، قبل أن يواجه منافسه الجمهوري في الانتخابات العامة .
لقد كان الطريق إلى مجلس الشيوخ محفوفاً بالتحديات، خصوصاً أن السيد لم يصل إلى الترشح بدعم المؤسسة الديمقراطية التقليدية، بل اضطر أولاً إلى مواجهة مرشحة الحزب المدعومة من قياداته، النائبة هايلي ستيفنز، التي تمكن من هزيمتها في الانتخابات التمهيدية خلال أغسطس الماضي. وكان ذلك أول انتصار سياسي كبير له، إذ أثبت أن القواعد الانتخابية لم تعد بالضرورة تسير وفق اختيارات القيادات الحزبية أو حسابات أصحاب النفوذ.
ولعل أكثر ما منح هذه المعركة أبعاداً وطنية ودولية هو موقفه من القضية الفلسطينية، وانتقاداته الصريحة للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، ومطالبته بمراجعة السياسة الأمريكية تجاه الحرب في غزة .
فقد تحولت الانتخابات التمهيدية إلى مواجهة سياسية وإعلامية بين رؤيتين مختلفتين، في ظل تدخل جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل وإنفاق مالي ضخم لدعم منافسته. غير أن النتيجة جاءت لتؤكد أن المال الانتخابي، مهما بلغت قدرته على التأثير، لا يستطيع دائماً حسم خيارات الناخبين .
وقد أحسن السيد توظيف هذه المواجهة في تقديم نفسه باعتباره صوتاً مستقلاً في مواجهة تغوّل المصالح الاقتصادية ونفوذ جماعات الضغط في الحياة السياسية الأمريكية. ولم يحصر حملته في القضية الفلسطينية، رغم حضورها البارز، بل وسّع دائرة خطابه لتشمل هموم الأمريكيين اليومية، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى الرعاية الصحية، ومن تراجع فرص العمل إلى اتساع الفوارق الاجتماعية وتآكل الطبقة الوسطى.
وفي هذا السياق ، قدم نفسه باعتباره رأسمالياً مناهضاً للاحتكارات، وليس اشتراكياً بالمعنى التقليدي، وجعل من ضمان الرعاية الصحية للجميع أحد أبرز محاور برنامجه، داعياً إلى نظام صحي أكثر عدالة وشمولاً . وهو خطاب وجد صداه في ميشيغان، الولاية التي عرفت تحولات اقتصادية قاسية، وتراجعاً في قطاعات صناعية واسعة، وقلقاً اجتماعياً متزايداً بشأن مستقبل الوظائف ومستوى المعيشة.
وتزداد دلالة هذه التجربة بالنظر إلى مساره الشخصي والمهني .
فعبد الرحمن السيد طبيب ومسؤول سابق في مجال الصحة العامة، ونجل مهاجرين مصريين، نشأ في ضواحي ديترويت، وعمل في مواقع صحية وإدارية مهمة، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي.
ولم تكن تجربته الانتخابية الأولى ناجحة، إذ خاض عام 2018 سباقاً سياسياً لم يتمكن من الفوز به، لكنه عاد بعد سنوات بخبرة أوسع وخطاب أكثر نضجاً وقدرة على استقطاب الناخبين.
ومن أبرز عناصر نجاحه أنه لم يقدم نفسه باعتباره مرشحاً للجالية العربية أو الإسلامية وحدها، رغم أهمية حضورها الانتخابي في محيط ديترويت ، بل عمل على بناء تحالف اجتماعي عابر للخلفيات الدينية والإثنية ، مستقطباً قطاعات من الشباب والناخبين التقدميين والطبقات العاملة، فضلاً عن شرائح من المجتمع المسيحي الأسود .
وبذلك تجاوز معادلة الانتماء الضيق إلى فضاء التمثيل السياسي الأوسع.
وفي المقابل، كشفت الحملة الانتخابية عن استمرار مظاهر الإسلاموفوبيا في بعض الخطابات السياسية الأمريكية، حيث تعرض السيد لهجمات استهدفت ديانته وشككت في أهليته للاضطلاع بمسؤولية تشريعية وطنية، بل ذهبت بعض الأصوات إلى التشكيك في مدى توافق الإسلام مع عضوية الكونغرس .
غير أن صناديق الاقتراع حملت رسالة مختلفة، مفادها أن الهوية الدينية لا ينبغي أن تكون معياراً للإقصاء، وأن المواطنة والكفاءة والبرنامج السياسي هي الأساس في تحديد حق الأفراد في الترشح والتمثيل.
كما لعبت أدوات التواصل الحديثة دوراً مهماً في توسيع حضوره، مستفيداً من خبرته في الحوار الإعلامي وتقديم البودكاست، ومن قدرته على إدارة النقاش ومواجهة الانتقادات بلغة مباشرة، وأحياناً ساخرة، ما ساعده على الوصول إلى شرائح واسعة من الناخبين، بعيداً عن القنوات السياسية والإعلامية التقليدية .
إن فوز عبد الرحمن السيد يطرح أيضاً سؤالاً مهماً بشأن مستقبل الحزب الديمقراطي، الذي يشهد نقاشاً متصاعداً حول هويته واتجاهاته، بين التيار التقليدي المرتبط بمؤسسات الحزب ومراكز النفوذ، والتيار التقدمي الذي يدفع نحو مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية.
ومن هذه الزاوية، لا يمثل وصوله إلى مجلس الشيوخ مكسبا شخصيا فحسب ، بل يعزز موقع تيار سياسي يسعى إلى إعادة ترتيب أولويات الحزب وتوسيع قاعدته الشعبية .
أما على مستوى السياسة الخارجية الأمريكية، فإن وجود صوت جديد ينتقد الدعم العسكري لإسرائيل ويدعو إلى مراجعة العلاقة معها سيضيف بعداً مهماً إلى النقاش داخل الكونغرس، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها مواقف قطاعات من الرأي العام الأمريكي تجاه الحرب في غزة والقضية الفلسطينية.
ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما ينتقل السيد من موقع المرشح الذي يرفع الشعارات إلى موقع السيناتور الذي يشارك في التشريع والرقابة وصناعة القرار.
إن التاريخ الذي صنعه عبد الرحمن السيد لا يتعلق فقط بكونه أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، بل بما كشفته تجربته من تغير في المجتمع الأمريكي، ومن تراجع نسبي لبعض الحواجز التقليدية أمام مشاركة الأقليات، ومن قدرة خطاب سياسي مختلف على منافسة المؤسسات الحزبية ونفوذ المال الانتخابي .
لقد أثبتت ميشيغان أن الطريق إلى مراكز القرار لم يعد حكرا على الأسماء التقليدية أو العائلات السياسية أو شبكات المصالح، وأن الأمريكيين من أصول عربية وإسلامية قادرون على الانتقال من موقع التأثير في المجتمع إلى موقع المشاركة المباشرة في صناعة مستقبل بلادهم.
وبين رمزية الانتماء العربي والإسلامي، وجرأة المواقف السياسية، ورهانات التيار التقدمي داخل الديمقراطيين، يدخل عبد الرحمن السيد التاريخ من بوابة ميشيغان، حاملاً معه أكثر من انتصار انتخابي ، إنه اختبار جديد لقدرة الديمقراطية الأمريكية على استيعاب التنوع، وتوسيع مفهوم التمثيل، وإعادة رسم حدود الممكن في الحياة السياسية الأمريكية .
