38°C تونس
04/11/2026
حين يصبح البحر سلاحاً للإرهاب … السعودية في معركة حماية الاقتصاد العالمي .
أراء وأفكار

حين يصبح البحر سلاحاً للإرهاب … السعودية في معركة حماية الاقتصاد العالمي .

نوفمبر 4, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لنتفق بدءا ، انه ليست كل المعارك محكومة بحدود الجغرافيا حيث تدور فيها ، فثمة مواجهات تتجاوز نتائجها حدود الدول لتطال أمن الشعوب واستقرار الاقتصادات ومصالح العالم بأسره .
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى التهديدات الإرهابية الحوثية التي تواجهها المملكة العربية السعودية بمعزل عن تداعياتها الإقليمية والدولية ، ولا اختزالها في كونها تحدياً أمنياً يمس الحدود والمنشآت السعودية ، لأنها ترتبط بقضية أكبر وأعمق : أمن الممرات البحرية وحرية التجارة الدولية واستقرار إمدادات الطاقة .
لا جدال في أن حماية المملكة لأراضيها ومواطنيها ومنشآتها ومصالحها الوطنية تمثل مسؤولية سيادية لا تقبل المساومة .
غير أن خطورة التهديدات التي تستهدف محيطها البحري تكمن في أنها لا تقف عند حدود الاعتداء على دولة بعينها ، بل تمتد إلى تهديد أحد أهم الشرايين التي تقوم عليها حركة الاقتصاد العالمي .
فعندما تتحول الممرات البحرية إلى ساحات للاستهداف والابتزاز المسلح ، تصبح التداعيات عابرة للقارات ، ويتحول الخطر من أزمة إقليمية إلى تهديد مباشر لمصالح دول وشعوب لا علاقة لها بالصراع .
لقد كشفت التطورات التي شهدها البحر الأحمر عن حجم الهشاشة التي يمكن أن تصيب طرق التجارة الدولية عندما تصبح الملاحة رهينة التوترات المسلحة .
وتكشف بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن كميات النفط ومشتقاته المنقولة عبر مضيق باب المندب تراجعت من نحو 9.3 ملايين برميل يومياً عام 2023 إلى قرابة 4.1 ملايين برميل عام 2024 .
كما سجلت حركة العبور في قناة السويس تراجعاً بنحو 42 بالمائة، وانخفضت حمولة سفن الحاويات العابرة بنسبة 82 بالمائة خلال النصف الأول من فبراير 2024، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية .
وليست هذه الأرقام مجرد مؤشرات تجارية عابرة، بل شواهد على كلفة الاضطراب الأمني حين يطال شرايين الاقتصاد العالمي . فخلف كل سفينة تغيّر مسارها ، وكل شحنة تتأخر ، وكل رحلة ترتفع تكلفتها ، توجد أسواق تتأثر ، وشركات تتحمل أعباء إضافية، ومستهلكون يدفعون ثمن اضطراب لا يتحكمون في أسبابه . كما أن تحويل السفن إلى طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويطيل زمن وصول البضائع ، ويضاعف الضغوط على سلاسل الإمداد وأسعار السلع والطاقة .
إن باب المندب ليس مجرد ممر مائي على خريطة المنطقة ، بل بوابة استراتيجية تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر والبحر المتوسط ، وتمنح قناة السويس مكانتها الحيوية في الربط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية .
لذلك و غيره ، فإن المساس بأمن هذا الممر المائي لا يعني الإضرار بمصالح دولة واحدة، وإنما وضع مصالح مصر ودول الخليج وأوروبا وآسيا، فضلاً عن شركائها التجاريين حول العالم ، أمام مخاطر اقتصادية وأمنية متزايدة .
وفي قلب هذه المعادلة ، تبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها دولة تدرك أن أمنها الوطني لا ينفصل عن استقرار محيطها الإقليمي ، وأن حماية مصالحها البحرية والاقتصادية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن البحر الأحمر .
فالمملكة ليست مجرد دولة تواجه تهديدات على حدودها، بل قوة إقليمية ذات ثقل اقتصادي وسياسي، تتقاطع مصالحها مع استقرار طرق التجارة والطاقة ، وتؤثر مكانتها في معادلات الأمن الخليجي والعربي والدولي .
ومن هنا، فإن مواجهة التهديدات الحوثية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها شأنا سعوديا خاصا ، بل باعتبارها جزءاً من معركة أوسع لحماية حرية الملاحة ومنع توظيف الممرات الدولية في الصراعات المسلحة .
فليس من المقبول أن تصبح حركة التجارة العالمية رهينة قرارات جماعات مسلحة، أو أن تتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط تستخدم لفرض الوقائع السياسية والعسكرية خارج إطار القانون الدولي .
ولا يعني ذلك تجاهل تعقيدات الأزمة اليمنية أو اختزال مستقبل هذا البلد في مقاربة أمنية وعسكرية.
فاليمن يحتاج قبل كل شيء إلى استعادة دولته ومؤسساته، وإنهاء حالة الانقسام، وبناء سلطة وطنية قادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيه ، وحماية حدوده وموانئه ومنع استخدام موقعه الجغرافي مصدراً لتهديد جيرانه والمصالح الدولية .
إن استقرار اليمن ليس لمصلحة السعودية فحسب ، بل ضرورة للأمن الخليجي والعربي ، ولحماية واحد من أهم الممرات البحرية في العالم .
وهنا تتأكد مسؤولية المجتمع الدولي. فالإدانات وحدها لا تكفي، وبيانات القلق لا تحمي السفن ولا تضمن انسياب التجارة . المطلوب موقف دولي متماسك يجمع بين حماية حرية الملاحة، وتفعيل قواعد القانون الدولي، ومواجهة مصادر التهديد، ودعم مسار سياسي يفضي إلى استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية .
فحين تكون المصالح المهددة عالمية، لا يجوز أن تبقى مسؤولية حمايتها محصورة في الدول الأكثر قرباً من مصدر الخطر .
إن المملكة العربية السعودية، وهي تعمل على حماية أمنها وسيادتها ومصالحها، تتحرك في فضاء استراتيجي تتقاطع فيه مصالح المنطقة والعالم.
وهذه الحقيقة تفرض قراءة أوسع لموقعها في معادلة الأمن الإقليمي، وتؤكد أن استقرار المملكة والبحر الأحمر والخليج العربي يشكل عناصر مترابطة في منظومة الأمن الدولي.
لقد بات العالم أمام معادلة واضحة : لا يمكن الحديث عن اقتصاد عالمي مستقر من دون ممرات بحرية آمنة، ولا يمكن ضمان حرية التجارة إذا تُركت الطرق الحيوية عرضة للتهديد المسلح والابتزاز .
فالأمن البحري ليس امتيازاً لدولة، بل حق دولي ومسؤولية مشتركة، لا تحتمل ازدواجية المواقف أو الانتقائية في تطبيق القانون.
السعودية تدافع عن أمنها الوطني ، لكن تداعيات ما تحميه تتجاوز حدودها .
فحين يُصان أمن البحر الأحمر وباب المندب، لا تُحمى مصالح المملكة وحدها، بل تُحمى شرايين التجارة والطاقة، وتُصان مصالح شعوب واقتصادات تمتد من آسيا إلى أوروبا وأفريقيا.
إنها معركة تتجاوز حدود الجغرافيا، لأن أمن البحار لا يتجزأ، ولأن استقرار العالم يبدأ من حماية الشرايين التي تصل بين أجزائه .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *