لا سلام بنصف المجتمع … المرأة من ضحايا الحروب إلى شريكة صناعة المستقبل .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 2000، اتخذ مجلس الأمن الدولي بالإجماع خطوة مفصلية في تاريخ مقاربة المجتمع الدولي لقضايا المرأة والنزاعات المسلحة ، حين اعتمد القرار 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن .
لم يكن القرار مجرد وثيقة أممية تضاف إلى سجل الالتزامات الدولية ، بل مثّل تحولاً في الرؤية إلى دور المرأة ، ناقلاً إياها من موقع الضحية التي تستوجب الحماية والرعاية إلى موقع الشريك الذي ينبغي أن يكون حاضرا في منع الحروب ، وصناعة السلام، وصياغة مستقبل المجتمعات التي أنهكتها الصراعات .
وبعد ستة وعشرين عاما على صدوره ، لم يعد السؤال المطروح هو مدى أهمية هذا القرار أو وجاهة المبادئ التي أقرها ، وإنما مدى نجاح العالم في تحويل تلك المبادئ إلى واقع ملموس .
فهل أصبحت المرأة شريكا فعليا في صناعة القرارات التي تحدد مصير الحروب والتسويات السياسية ؟ وهل تجاوز حضورها حدود التمثيل الرمزي إلى امتلاك القدرة الحقيقية على التأثير في مفاوضات السلام وإعادة بناء الدول والمجتمعات ؟.
تكمن الأهمية التاريخية للقرار 1325 في اعترافه بأن المرأة ليست مجرد طرف يتلقى نتائج النزاعات ، ولا مجرد ضحية للعنف والتهجير والفقدان والانتهاكات ، بل قوة اجتماعية وسياسية قادرة على الإسهام في منع الصراعات وتسوية النزاعات وبناء الاستقرار . وقد تأسست أجندة المرأة والسلام والأمن على أربعة مرتكزات أساسية ومتكاملة : المشاركة ، والحماية ، والوقاية ، والإغاثة وإعادة الإعمار .
فالمشاركة تعني ضمان وجود النساء في مواقع صنع القرار السياسي والأمني ، وفي مفاوضات السلام والعمليات الانتقالية ، باعتبارهن شريكات في صياغة الحلول وتحديد الأولويات ، لا مجرد وجوه تستكمل بها صورة التمثيل .
أما الحماية ، فتتجاوز التصدي للعنف الجنسي والجسدي إلى صون الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية وضمان الأمن والأمان . وتقوم الوقاية على إشراك النساء في معالجة جذور التوترات والصراعات قبل تحولها إلى حروب ، فيما تقتضي الإغاثة وإعادة الإعمار إدماج احتياجاتهن وحقوقهن ومصالحهن في مختلف مراحل التعافي وبناء المجتمعات .
لكن المعضلة الكبرى لا تكمن في غموض هذه المبادئ ، بل في الهوة الواسعة بين ما تعلنه المؤسسات الدولية من التزامات وما تكشفه الوقائع على الأرض .
فبعد أكثر من ربع قرن ، لا تزال نساء كثيرات في مناطق النزاع يدفعن أثمانا باهظة من أمنهن وكرامتهن ومستقبلهن ، فيما يظل حضورهن في مواقع التفاوض وصناعة القرار أقل بكثير مما تقتضيه أدوارهن وتضحياتهن. وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في منطقتنا العربية ، حيث تتواصل الحروب والأزمات الإنسانية ، وتُترك النساء في مواجهة تداعياتها، بينما تُرسم في كثير من الأحيان ملامح التسويات السياسية بعيداً عن مشاركتهن الفعلية .
في فلسطين ، تقف المرأة في قلب مأساة إنسانية ممتدة ، تواجه الحرب والنزوح وفقدان أفراد الأسرة وتدمير المنازل ومقومات الحياة ، لكنها تتمسك في الوقت نفسه بحق شعبها في الحرية والكرامة وتقرير المصير .
إنها صورة المرأة التي تقاوم محاولات اقتلاع الحياة من جذورها، وتحمل أعباء الأسرة والمجتمع في ظروف بالغة القسوة .
وفي السودان ، تتضاعف معاناة النساء تحت وطأة الحرب والنزوح والجوع والعنف الجنسي ، فيما تواصل المبادرات والشبكات النسوية أداء أدوار حيوية في الإغاثة والحماية المجتمعية، وتوفير مساحات للتضامن والصمود .
أما في سوريا ، فإن سنوات الحرب والتهجير والاعتقال والتفكك الاجتماعي تجعل مشاركة النساء في صياغة مستقبل البلاد وبناء مؤسساتها وضمان حقوق مواطنيها ضرورة لا يمكن تجاوزها .
وفي كردستان ، تقدم تجارب الحركات النسوية مسارات مختلفة للنضال من أجل مواجهة التهميش والعنف وتوسيع حضور المرأة في الحياة العامة والتحولات السياسية .
وعلى اختلاف هذه التجارب والسياقات ، تلتقي جميعها عند حقيقة واحدة : المرأة ليست رقماً في الإحصاءات الإنسانية ، ولا صوتاً ثانوياً في المشهد السياسي ، بل فاعل أساسي في حماية المجتمع من التفكك ، وصون نسيجه الاجتماعي ، والحفاظ على مقومات الحياة في أحلك الظروف .
ولذلك فإن اختزال مشاركتها في مقاعد محدودة داخل مؤتمرات التفاوض لا يحقق جوهر القرار 1325، ولا يترجم روحه إلى ممارسة حقيقية .
فالمشاركة لا تُقاس بعدد المقاعد، وإنما بمدى القدرة على التأثير في القرار، والمساهمة في رسم السياسات، ومراقبة تنفيذ الاتفاقات، وإدارة مراحل التعافي والعدالة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات .
ولعل أحد أبرز الدروس التي كشفت عنها العقود الأخيرة أن السلام لا يعني مجرد توقف إطلاق النار، ولا يختزل في توقيع اتفاق سياسي أو إعلان نهاية مواجهة عسكرية .
فثمة مسافة كبيرة بين وقف الحرب وصناعة السلام ، وبين تسوية مؤقتة وبناء استقرار مستدام. السلام الحقيقي هو الذي يؤسس لمؤسسات عادلة ، ويضمن المواطنة المتساوية ، ويحترم الحقوق والحريات، ويعالج أسباب الإقصاء والفقر والتهميش والتمييز والعنف. ومن دون ذلك، قد تتحول الهدنة إلى استراحة مؤقتة قبل انفجار أزمة جديدة .
ومن هذا المنطلق ، فإن الوقاية من النزاعات ينبغي ألا تبدأ بعد سقوط الضحايا ودمار المدن، بل قبل ذلك بكثير ، من خلال معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تهيئ لاندلاع الصراعات ، وفي مقدمتها الاستبداد والإقصاء وانتهاك الحقوق وغياب العدالة. وهنا تبرز أهمية الخبرات التي تمتلكها النساء في العمل المدني والاجتماعي والسياسي، وضرورة إدماجها في منظومات الإنذار المبكر، وآليات الحوار الوطني، وصناعة السياسات، وبناء التوافقات التي تحصّن المجتمعات من الانزلاق نحو العنف .
كما أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقاس بما يُشيّد من مبانٍ وطرق ومنشآت فحسب ، بل بمدى قدرة المجتمع على استعادة تماسكه وثقته ومؤسساته ، وبمدى إنصاف أولئك الذين تحملوا العبء الأكبر من الحرب. فالمرأة التي فقدت منزلها أو عملها أو أفراد أسرتها لا تحتاج إلى مساعدات إنسانية مؤقتة فقط، بل إلى ضمانات تتيح لها استعادة استقلالها الاقتصادي والاجتماعي ، وإلى فرص حقيقية للمشاركة في تحديد شكل المجتمع الذي تريد أن تعيش فيه. فإعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة بناء الحجر، بل إنها الأساس الذي يمنح الإعمار معناه واستدامته .
وبعد ستة وعشرين عاما ، بات من الضروري الانتقال بالقرار 1325 من دائرة التعهدات والخطابات الدولية إلى دائرة التنفيذ والمساءلة. وهذا يقتضي خططاً وطنية واضحة ، وتمويلاً مستداما ، وآليات متابعة وتقييم ، وضمانات فعلية لتمثيل النساء في مواقع القرار، فضلاً عن الإنصات إلى المنظمات النسوية المحلية التي تعمل في الميدان وتدرك احتياجات مجتمعاتها. فالنجاح لا يقاس بعدد المؤتمرات والبيانات والاحتفالات بذكرى القرار، وإنما بما يتغير فعلياً في حياة النساء، وبمدى قدرتهن على المشاركة في تحديد حاضرهن ومستقبل أوطانهن .
إن الرهان على المرأة ليس مطلبا فئويا ، ولا امتيازا سياسيا يمنح لها ، بل هو استثمار في قدرة المجتمعات على تجاوز العنف والانقسام واستعادة توازنها.
فالمرأة التي تحمي أسرتها في زمن الحرب، وتشارك في إغاثة المتضررين، وتدافع عن المدنيين، وتبني جسور الحوار والمصالحة، لا يجوز أن تُقصى عندما تبدأ مفاوضات السلام أو تُرسم ملامح الدولة الجديدة. وليس من العدالة أن تتحمل النساء قسطاً كبيراً من كلفة الحروب، ثم يُترك لغيرهن وحدهم حق تقرير شكل السلام وملامح المستقبل .
لقد وضع القرار 1325 أمام العالم إطارا دوليا واضحا للاعتراف بهذه الحقيقة ، لكن الاختبار الحقيقي يظل في إرادة الدول والمؤسسات الدولية والقوى السياسية والمجتمعات في تحويل هذا الاعتراف إلى التزام فعلي .
فالسلام الذي تُستبعد منه النساء يظل منقوصا في تمثيله ، وهشاً في أسسه، ومعرضاً لإعادة إنتاج أسباب الصراع. أما السلام الذي تشارك النساء في صناعته، فيمنح العدالة بعداً أشمل، والأمن مضموناً إنسانياً أعمق، والاستقرار فرصة أكبر للاستمرار .
ستة وعشرون عاماً مضت ، ومايزال العالم أمام الامتحان ذاته : هل يريد المرأة حاضرة فقط في صور ضحايا الحروب، أم يريدها حاضرة في صناعة القرارات التي تمنع الحروب؟ هل يكتفي بالحديث عن حقوقها بعد وقوع الكارثة، أم يمنحها موقعها الطبيعي في حماية الأوطان وبناء مستقبلها ؟.
إن أعظم تكريم للمرأة ليس أن نتذكر معاناتها في كل ذكرى أممية، بل أن نعترف بحقها في المشاركة والتأثير وصناعة القرار. فليس من الممكن بناء سلام عادل بنصف المجتمع، ولا صناعة مستقبل آمن بإقصاء نصف طاقته الإنسانية. المرأة ليست مجرد من تنتظر انطفاء نيران الحرب لتبدأ حياتها من جديد؛ إنها شريكة في منع اشتعالها، وصوت في مفاوضات إنهائها، ويد في تضميد جراح المجتمعات، وعقل وقوة في بناء المستقبل .
فلا سلام بنصف المجتمع ، و لا مستقبل يكتمل حين تُقصى المرأة عن صناعته !!
