محمد بن راشد .. حين يحتضن القائد أحلام الأطفال ويصنع من القراءة مستقبلا لأمة .
بقلم: أبوبكر الصغير .
في تلك الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام، ثمة ما يستحق أن نتوقف عنده طويلا .
فالقائد الذي ارتبط اسمه بمشروعات التنمية الكبرى، وبناء المدن التي تنافس العالم ، وصناعة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، يقف اليوم بين الأطفال بوجه آخر لا يقل عظمة عن وجه الإنجاز : وجه الاب الإنسان الحنون الذي يعرف أن أعظم ما يمكن أن يقدمه القائد لوطنه هو أن يمنح أبناءه الثقة ، وأن يشعرهم بأن أحلامهم تستحق أن تُصغى إليها ، وأن الطريق إلى المستقبل يبدأ من عقولهم الصغيرة .
إنها صورة الأب الحنون الذي لا تحجبه مسؤوليات الحكم عن مشاعر الأبوة ، ولا تجعله أضواء الإنجازات بعيدا عن بساطة اللقاء الإنساني .
صورة تختصر فلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في القيادة .
فالقائد الحقيقي لا يُقاس فقط بما يشيده من مدن و مبان ، أو يطلقه من مشروعات ، أو يحققه من أرقام ، بل بما يزرعه في النفوس من أمل ، وما يوقظه في العقول من طموح ، وما يمنحه للأجيال الجديدة من إيمان بقدرتها على تغيير واقعها وصناعة غدها .
وحين يلتقي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بأبطال القراءة ، فإنه لا يكرّم فائزين في مسابقة فحسب ، بل يحتفي بقيمة الإنسان ، ويمنح المعرفة مكانتها التي تستحقها في وجدان المجتمع .
فهؤلاء الأطفال الذين يحملون الكتب ويصعدون منصات التتويج لا يمثلون أنفسهم وحدهم ، إنهم يمثلون ملايين الأطفال الذين يحتاجون إلى من يفتح أمامهم أبواب المعرفة ، ويقول لهم إن القراءة ليست واجبا مدرسيا ينتهي بانتهاء الامتحانات ، بل هي رحلة عمر ، وأداة للتحرر من الجهل ، ووسيلة لفهم العالم ، وبناء الشخصية ، وتوسيع آفاق الحلم .
من هنا، لا يبدو تحدي القراءة العربي مجرد منافسة بين طلبة أو مدارس ، بل مشروعا حضاريا انسانيا متكاملاً يضع الثقافة في قلب التنمية، ويعيد الاعتبار إلى الكتاب في زمن تتزاحم فيه الشاشات والمعلومات السريعة ، وتتراجع فيه أحياناً مساحة التأمل والتفكير العميق .
فمنذ إطلاق المبادرة عام 2015، اختارت دولة الإمارات أن تستثمر في العقل العربي، وأن تجعل القراءة عملا جماعيا واسع النطاق ، تتشارك فيه المدارس والمعلمون والأسر والمؤسسات ، حتى تحولت المبادرة إلى حراك معرفي تجاوز الحدود الجغرافية ووصل إلى عشرات الدول .
وفي الموسم العاشر، جاءت الأرقام لتكشف حجم هذه الرؤية. أكثر من 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة، ومشاركة 138 ألفا و426 مدرسة ، وإشراف أكثر من 161 ألف مشرف ومشرفة .
ليست هذه مجرد أرقام ضخمة، بل شهادة على أن الفكرة حين تنطلق من رؤية واضحة، وتُحاط بالإرادة والاستمرارية، تستطيع أن تتحول إلى قوة تغيير حقيقية في حياة المجتمعات.
وهنا تتجلى عظمة التجربة الإماراتية في بعدها الحضاري و الإنساني ، فالتنمية ليست طرقا وجسورا ومطارات فحسب ، وليست أرقاما اقتصادية أو مراكز متقدمة في مؤشرات التنافسية ، على أهميتها جميعا .
التنمية الحقيقية هي أن يصل الاستثمار إلى الإنسان، وأن يجد الطفل كتابا يفتح له نافذة على العالم ، وأن تحظى المدرسة بفرصة لتطوير بيئتها التعليمية ، وأن يشعر المعلم بأن جهده محل تقدير، وأن تدرك الأسرة أن مستقبل أبنائها لا يُبنى بالشهادات وحدها، بل بالمعرفة والفضول والقدرة على التفكير والإبداع .
لقد أدرك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن الأمم لا تستعير نهضتها من الآخرين، بل تبنيها حين تستثمر في عقول أبنائها.
ولذلك لم يتعامل مع القراءة باعتبارها نشاطا ثقافيا محدود الأثر ، بل باعتبارها ركيزة من ركائز بناء الإنسان ، وأساساً من أسس استئناف الحضارة العربية.
فالكتاب يعلّم الطفل أن يسأل، وأن يناقش، وأن يكتشف، وأن يختلف دون أن يفقد احترامه للآخر .
ومن هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل شخصية المواطن القادر على المشاركة في بناء مجتمع أكثر وعيا وانفتاحا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل .
أما تونس ، فقد كان لها في هذا المشهد نصيب من الفرح والاعتزاز . إن فوز المدرسة الابتدائية سيدي عامر من ولاية سليانة بلقب المدرسة المتميزة ليس تكريماً لمؤسسة تعليمية وحدها ، بل هو احتفاء بجهد المعلمين والمربين والإدارة المدرسية والتلاميذ ، وبكل من آمن بأن المدرسة تستطيع أن تكون فضاء لصناعة الأمل ، مهما كانت التحديات .
وقد نالت المدرسة جائزة اعتبارية مهمة ، بما يتيح فرصة لتعزيز مبادراتها القرائية والمعرفية وتطوير تجربتها التعليمية .
إن سليانة، وهي تحتفي بهذا التتويج العربي من دولة شقيقة و هي الإمارات ، تقدم دليلاً جديداً على أن الإبداع لا تحدده المسافات عن العواصم، ولا تقاس فرص النجاح بحجم الإمكانات وحدها. فقد تبدأ الحكاية من مدرسة بسيطة، وكتاب يتداوله التلاميذ، ومعلّم يوقظ فيهم حب المعرفة، ثم تنتهي على منصة دولية، وسط تصفيق الحاضرين، واعتزاز وطن كامل بأبنائه.
وتلك هي القيمة الأعمق للمبادرات التي تفتح أبواب المنافسة أمام الجميع : أنها تجعل التميز ممكنا ، وتحول الحلم من فكرة بعيدة إلى هدف قابل للتحقق .

إن ما تقدمه دولة الإمارات من مبادرات معرفية وإنسانية يكشف عن مفهوم للتقدم يتجاوز حدودها الوطنية ، ويتعامل مع ازدهار الإنسان العربي باعتباره مصلحة مشتركة . فحين تتسع مبادرة إماراتية لتشمل ملايين الطلبة، وتمنح المدارس العربية مساحة للتنافس والإبداع، فإنها تفتح باباً للتعاون الثقافي، وتعزز الروابط بين الشعوب، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو أكثر الاستثمارات قدرة على البقاء والتأثير.
وهذه إحدى الدلالات المهمة في تجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد : أن القيادة ليست إصدار القرارات فقط، بل تحويل الأفكار إلى مؤسسات ومشروعات مستمرة، وأن الرؤية لا تكتمل بالإعلان عنها، بل بقدرتها على الوصول إلى الناس وإحداث تغيير ملموس في حياتهم .
فالإنجاز الذي يتكرر عاما بعد عام، وتتسع دائرة المستفيدين منه، يصبح جزءاً من ثقافة المجتمع، لا مجرد مناسبة عابرة في رزنامة الفعاليات.
إن تلك الصور التي جمعت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بأبطال القراءة تستحق أن تخلد في الذاكرة ، لأنها تذكّرنا بأن خلف كل مشروع حضاري كبير إيماناً بالإنسان، وخلف كل إنجاز مستدام رؤية تتجاوز اللحظة الراهنة. وقد تكون ابتسامة قائد لطفل، أو إصغاؤه إلى كلمات طالب، أو مشاركته فرحة فائز، مشاهد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تحمل معاني كبيرة حين تصدر عن قيادة حكيمة تجعل الإنسان محور اهتمامها، وتمنح الأجيال الجديدة شعورا بأن المستقبل ليس حكراً على أحد .
إن عظمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لا تتجلى في صورة واحدة ، مهما كانت مؤثرة، بل في المسار الذي تمثله تلك الصورة : مسار يربط الطموح بالعمل، والتنمية بالمعرفة، والقيادة بالمسؤولية الإنسانية. وعظمة دولة الإمارات أنها لم تجعل إنجازاتها المادية نهاية الطريق، بل وسّعت مفهوم النجاح ليشمل بناء العقول، ورعاية المواهب، وإتاحة الفرص أمام الأجيال العربية كي تتعلم وتتقدم وتشارك في صناعة مستقبلها .
من دبي، حيث احتفت الإمارات بأبطال القراءة، إلى سليانة التونسية التي رفعت مدرستها راية التميز، تمتد رسالة واحدة : إن الاستثمار في الإنسان لا يعرف حدودا ، وإن المعرفة قادرة على جمع ما تفرقه المسافات، وإن الأمم التي تمنح أطفالها الكتب والثقة والأمل تمنح نفسها فرصة حقيقية لمستقبل أفضل.
ذلك هو المعنى الإنساني العميق لتحدي القراءة العربي، وتلك هي الرسالة التي تختصرها صورة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بين الأطفال : أن أعظم ما يصنعه القائد ليس ما يتركه خلفه من أبنية ، بل ما يزرعه أمامه من عقول مضيئة، وقلوب مؤمنة ، وأجيال تعرف أن طريق النهضة يبدأ من صفحة ، وأن مستقبل الأوطان يبدأ من الإنسان .
