الرياض و طهران.. حين تذهب الحكمة إلى قلب العاصفة .
بقلم: أبوبكر الصغير .
ثمة من يقرأ السياسة بعين الغباء ، وثمة من يقرأها بعقل الدولة. وبين الاثنين مسافة شاسعة لا يدركها إلا من يعرف أن حماية الأوطان ليست مسابقة في رفع الصوت ، وأن القيادة ليست استعراضًا للكبرياء ، وأن الشجاعة الحقيقية قد تكون أحيانا في الذهاب إلى قلب الخطر، لا في الاكتفاء بالصراخ من بعيد .
من هذا المنطلق، ينبغي قراءة زيارة الأمير خالد بن سلمان ، وزير الدفاع السعودي، إلى طهران يوم 26 أكتوبر 2026، على رأس وفد يضم ممثلين عن دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
فالزيارة، وفق الموقف الرسمي السعودي، تأتي في سياق خفض التصعيد، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان. ولم تكن، بهذا المعنى، مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل تحركًا سياسيًا في لحظة إقليمية بالغة الخطورة، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وأمن الشعوب ومستقبل المنطقة.
ولعل أول ما ينبغي قوله لمن سارعوا إلى تأويل هذه الخطوة بمنطق التراجع أو التنازل أن السياسة لا تُقاس بصورة المسؤول وهو يصافح خصمه ، وإنما بما يستطيع انتزاعه من فرص لحماية بلاده، وما ينجح في تجنيب شعبه من مخاطر، وما يفتحه أمام المنطقة من أبواب كانت موصدة.
إن الذين يختزلون القوة في المواجهة الدائمة، ويعتبرون كل حوار ضعفًا، يخلطون بين كرامة الدولة وضجيج الشعارات.
فالدول العظيمة الكبرى لا تتحرك لإرضاء غرور المصفقين، ولا ترسم استراتيجياتها وفق مزاج منصات التواصل، ولا تترك مستقبل أجيالها رهينة انفعالات عابرة.
إنها تتحرك وفق حسابات دقيقة، توازن فيها بين الردع والتفاوض، وبين القدرة على المواجهة وإمكانات احتواء الصراع.
والسعودية، بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي ومكانة استراتيجية واقتصادية، ليست دولة تبحث عن معركة لمجرد إثبات أنها قادرة على خوضها. إنها دولة معنية بحماية أمنها الوطني، وصون مقدراتها، واستقرار أسواق الطاقة، وتأمين طرق التجارة، والحفاظ على مستقبل شعبها، فضلًا عن مسؤوليتها تجاه محيط عربي وإسلامي لا يحتمل المزيد من الحرائق.
من هنا، فإن الذهاب إلى طهران لا يعني منح إيران صك براءة، ولا إسقاط الخلافات العميقة معها، ولا التغاضي عن مصادر التهديد التي تقلق المملكة والمنطقة. بل إن الحوار الجاد قد يكون وسيلة لوضع تلك الخلافات على الطاولة، وتحديد المسؤوليات بوضوح، واختبار مدى استعداد الطرف الآخر للانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.
وهنا تكمن المسألة الجوهرية : هل نكتفي بمواجهة نتائج الصراع، أم نذهب إلى مصادر القرار القادرة على التأثير في مساراته؟.
في الملف اليمني، على سبيل المثال، لا يمكن تجاهل الأبعاد الإقليمية للصراع، ولا دور الدعم الإيراني للحوثيين الذي تتهم طهران بشأنه بمساندة قوة إرهابية مسلحة تهدد أمن المملكة ومصالح اليمنيين. وإذا كان إنهاء التهديد يتطلب التعامل مع الفاعلين المحليين، فإن معالجة أبعاده الإقليمية تستلزم أيضًا مخاطبة الأطراف التي تمتلك نفوذًا على مسار المواجهة. فالتفاوض مع أصحاب التأثير ليس بديلًا عن حماية الحدود، بل قد يكون جزءًا من استراتيجية متكاملة تجمع بين الردع السياسي والعسكري والدبلوماسية.
وإذا كانت الجماعة الحوثية قادرة على مواصلة القتال في ظروف ينهار فيها العمران وتتفاقم فيها معاناة اليمنيين، فإن الدولة السعودية تتحمل مسؤولية مختلفة تمامًا : مسؤولية حماية مواطنيها، وصيانة منشآتها، والحفاظ على اقتصادها، وتجنب جر المنطقة إلى حرب مفتوحة لا يمكن لأحد أن يضمن حدودها أو كلفتها النهائية.
إن الفارق بين الدولة والميليشيا الإرهابية لا يظهر فقط في حجم الإمكانات، بل في طبيعة المسؤولية أيضًا. الدولة مطالبة بأن تحسب حساب الإنسان والاقتصاد والمستقبل، وأن تدرك أن الانتصار العسكري، مهما كانت أهميته، لا يكتمل ما لم يفتح الطريق أمام أمن مستدام وتسوية قابلة للحياة. أما الشعوب، ومنها الشعب اليمني الشقيق، فلا ينبغي أن تبقى أسيرة صراعات القوى الإقليمية، ولا أن تدفع ثمن حسابات لا تملك تقريرها.
ولهذا، فإن مخاطبة طهران مباشرة تطرح سؤالًا استراتيجيًا مهمًا : هل يمكن تحويل النفوذ الإقليمي إلى أداة لوقف التهديدات بدلًا من توسيعها؟ وهل تستطيع الدبلوماسية أن تنتزع التزامات عملية تحمي المملكة وتخفف معاناة اليمنيين وتمنع اتساع دائرة الحرب؟ .
هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش، لا الاكتفاء بتوزيع الاتهامات على من اختاروا الحوار .
فالسياسة ليست امتحانًا في الحماسة، بل امتحان في القدرة على الوصول إلى نتائج. ولا قيمة لأي زيارة لمجرد حدوثها، وإنما بما إذا كانت ستفضي إلى خطوات ملموسة، واحترام متبادل للسيادة، ووقف التهديدات، وضمانات تحول دون تجدد التصعيد.
ومن هنا أيضًا تأتي أهمية مشاركة دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك في هذا التحرك. فالمسألة لا تتعلق بمبادرة سعودية منفردة فحسب، بل بمحاولة إقليمية لتوظيف التنسيق بين الدول المعنية بالأمن والاستقرار في فتح نافذة للحل. وقد أكدت الرياض دعمها لجهود الوساطة القطرية والباكستانية، وشددت على ضرورة أن تتعامل أطراف الأزمة بإيجابية وعملية مع نتائج اللقاءات، بما يمهد لاتفاق ينهي الأزمة ويحول دون عودة المواجهة العسكرية.
إن اجتماع الدبلوماسية مع الردع هو ما يمنح هذا التحرك معناه الاستراتيجي . فالحوار الذي لا يستند إلى قوة تحمي المصالح قد يتحول إلى وعود مؤجلة، والقوة التي لا تترك للدبلوماسية منفذًا قد تدفع الجميع إلى دوامة استنزاف طويلة .
أما الجمع بينهما، فهو محاولة لإبقاء خيارات الدولة مفتوحة، وحماية مصالحها بأقل كلفة ممكنة، من دون التفريط في حقها المشروع في الدفاع عن أمنها.
وإذا كان بعضهم يريد من السعودية أن تختار بين الكرامة والحوار، فإن هذا الاختيار في حد ذاته زائف. فالكرامة ليست في رفض الجلوس إلى الطاولة، وإنما في دخولها من موقع يحفظ المصالح والحقوق، وفي القدرة على قول ما يجب قوله بوضوح، ورفض ما لا يمكن قبوله، وربط أي تفاهم بأفعال قابلة للتحقق، لا بمجرد التصريحات.
إن المملكة لا تحتاج إلى إثبات قوتها عبر إطالة الحروب، كما لا ينبغي أن تُطالَب بالتخلي عن أدوات الدبلوماسية لإرضاء من يخلطون بين الصلابة والعناد. فالمسؤولية التاريخية لا تعني أن تظل المنطقة تدور في الحلقة نفسها، بل أن تتوافر الإرادة لكسرها، متى كانت هناك فرصة واقعية لذلك، من دون أوهام أو تنازلات تمس الأمن والسيادة.
أما الأمير خالد بن سلمان، فإن قيادته لهذا الوفد إلى طهران تضع التحرك في مستوى يتجاوز المجاملات الدبلوماسية، بالنظر إلى موقعه وزيرًا للدفاع في مرحلة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع فرص التهدئة .
لكن قيمة الخطوة النهائية ستظل مرتبطة بما ستنتجه من تفاهمات والتزامات، وبمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل اللقاءات إلى إجراءات تنهي التهديدات وتفتح طريقًا أكثر استقرارًا.
لا أحد يستطيع أن يجزم، منذ الآن، بأن زيارة واحدة ستهدم جدارًا كاملًا من انعدام الثقة، أو أن عقودًا من التوتر يمكن أن تنتهي في اجتماع واحد. غير أن كسر الجمود يبدأ أحيانًا بخطوة جريئة، وفتح القنوات المغلقة قد يكون شرطًا ضروريًا قبل الوصول إلى أي تسوية. أما النجاح الحقيقي، فلا تصنعه الصور ولا البيانات وحدها، بل تصنعه النتائج التي يشعر بها الناس في أمنهم ومعيشتهم ومستقبل أبنائهم.
إن السعودية، بحكم مكانتها ومسؤولياتها، معنية بأن تكون جزءًا فاعلًا في صناعة استقرار المنطقة، لا مجرد طرف ينتظر ما ستؤول إليه صراعات الآخرين. ومن حقها أن تستخدم جميع الأدوات المشروعة لحماية أمنها، وأن تختبر فرص الحل السياسي من دون أن تتخلى عن جاهزيتها الدفاعية أو عن مصالحها الوطنية.
والرسالة الأهم إلى أصحاب القراءات المتسرعة واضحة : لا تحكموا على السياسة من ضجيج اللحظة، بل من حصيلة القرار .
لا تجعلوا الانفعال بديلًا عن التحليل، ولا تحولوا الدبلوماسية إلى تهمة، ولا تعتبروا كل باب يُفتح أمام الحوار بابًا للتنازل.
فقد تكون القوة في لحظة ما أن تردع، وقد تكون في لحظة أخرى أن تفاوض، وقد تكون الحكمة في الجمع بين الاثنين، حتى لا يدفع الوطن ثمن حرب كان يمكن احتواؤها، ولا يقع فريسة سلام هش لا تحميه الضمانات.
تلك هي المعادلة التي تستحق أن تُقرأ بجدية : أمن لا يساوم، ودبلوماسية لا تستسلم، وحوار لا ينفصل عن المصالح، وقيادة تدرك أن مستقبل الدول لا يُصان بالشعارات وحدها، بل بالقرارات الصعبة التي توازن بين مقتضيات القوة وفرص السلام.
وفي منطقة أنهكتها الحروب، لا يكون السؤال الأهم: لماذا ذهب السعوديون إلى طهران؟ بل: هل تستطيع هذه الخطوة أن تجعل طهران أمام مسؤوليات عملية، وأن تفتح طريقًا يحمي المملكة، ويخفف آلام اليمن، ويمنح المنطقة فرصة للخروج من دوامة التصعيد؟.
عند الإجابة عن هذا السؤال ستتضح القيمة الحقيقية للزيارة. فالتاريخ لا يمنح أحكامه النهائية عند باب اللقاء، بل بعد ظهور نتائجه. أما الحكمة السياسية، فتبدأ حين تكون مصلحة الوطن أكبر من ضجيج اللحظة، ويصبح أمن الإنسان ومستقبل الدولة أسمى من إرضاء غرور المتفرجين .
