اليمن رهينة السلاح .. حين يتحوّل فشل السياسة إلى تهديد لأمن المنطقة والعالم .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يكن سقوط صنعاء في قبضة الحوثيين عام 2014 مجرد تحول في موازين القوة داخل اليمن ، بل كان اللحظة التي انكشف فيها عمق انهيار الدولة ، وخطورة الارتهان لحسابات السلطة الضيقة ، وكلفة الانقسامات التي تفتح أبواب الأوطان أمام الجماعات المسلحة ومشروعات النفوذ الخارجي .
فالجماعة لم تصل إلى العاصمة بفضل تفوق عسكري مستقل فحسب ، بل استفادت من تفكك المؤسسات، وتنازع النخب، والتحالف المفاجئ مع علي عبد الله صالح، الذي خاض ضدها ست حروب قبل أن يجد نفسه شريكاً لها في مسار انتهى بتقويض الدولة التي حكمها لسنوات. وهكذا انتصرت الحسابات الآنية على المصلحة الوطنية، ودفع اليمنيون ثمن ذلك عقداً من الصراع والانهيار .
غير أن ما جرى في صنعاء لم يكن نهاية الأزمة ، بل بداية تحولها إلى تهديد يتجاوز الحدود اليمنية .
فقد أتاح الدعم الإيراني للحوثيين تطوير قدراتهم العسكرية وتوسيع هامش تحركهم ، فيما أسهم تعثر التسويات السياسية وتباين المقاربات الدولية في إطالة أمد الصراع . ومع مرور الوقت ، لم تعد المسألة مجرد جماعة تسيطر على العاصمة وأجزاء من البلاد ، بل سلطة أمر واقع تجمع بين أدوات الحكم والقوة المسلحة، وتفرض نفسها طرفاً يملك قرار الحرب والتصعيد، من دون أن يخضع بالضرورة لمقتضيات الدولة أو لمصالح المجتمع الذي يعيش تحت سلطته .
وهنا تكمن خطورة المأزق اليمني : حين يصبح السلاح بديلا عن السياسة ، والقوة بديلاً عن الشرعية، وتتحول مؤسسات الدولة من مرجعية جامعة إلى ساحة تتنازعها مراكز النفوذ، لا يعود الصراع شأناً داخلياً قابلاً للاحتواء ضمن الحدود الوطنية، بل يصبح مصدراً دائماً لعدم الاستقرار الإقليمي.
لقد كشفت الهجمات التي استهدفت المملكة العربية السعودية، والتهديدات التي طالت الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، أن تداعيات الأزمة اليمنية لا تتوقف عند معاناة اليمنيين. فالموقع الاستراتيجي لليمن، المشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، يجعل أي تصعيد عسكري فيه قادراً على تهديد أمن الخليج، وتعطيل حركة التجارة الدولية، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وتوسيع دائرة التوتر في منطقة لا تحتمل مزيداً من بؤر الاشتعال. وعندما تصبح الممرات البحرية ورقة ضغط في صراعات النفوذ، تتحول معاناة شعب إلى مصدر قلق للاقتصاد العالمي، ويغدو استمرار الأزمة عبئاً يتجاوز أطرافها المباشرين.
وفي قلب هذا المشهد ، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها طرفاً يربط استقرار اليمن بأمن المنطقة، ويجمع في مقاربته بين الاعتبارات الأمنية والمسارات السياسية والجهود الإنسانية والتنموية. فمساندة الحكومة اليمنية، ودعم الخدمات الأساسية، وتمويل مشروعات الصحة والطاقة والتعليم والبنية التحتية، تمثل أبعاداً مهمة في مواجهة الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة والمجتمع . وقد أعلنت المملكة في يناير 2026 حزمة تنموية بقيمة 1.9 مليار ريال، شملت 28 مشروعاً ومبادرة، في امتداد لجهود تستهدف تخفيف الأعباء عن اليمنيين وتعزيز مقومات الاستقرار.
وتتجاوز أهمية هذه الجهود قيمتها المالية المباشرة ،إذ إن استعادة اليمن عافيته لا تتحقق بالمواجهة الأمنية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى حماية المجتمع من الفقر، وإعادة بناء الخدمات، وفتح آفاق الحياة أمام أجياله الشابة، وترميم الثقة في مؤسسات الدولة. فالأوطان التي تنهكها الحروب لا تستعيد تماسكها بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما حين يشعر المواطن بأن الدولة قادرة على حمايته، وتوفير الحد الأدنى من احتياجاته، ومنحه أملاً واقعياً في المستقبل .
لكن المساعدات ، مهما اتسع نطاقها ، لا تستطيع وحدها معالجة أزمة تتغذى من تعدد مراكز القوة وغياب سلطة وطنية تحتكر السلاح. كما أن احتواء التصعيد لا ينبغي أن يتحول إلى غاية منفصلة عن معالجة أسبابه ، فالهدوء الذي لا يستند إلى تسوية سياسية مستدامة قد يؤجل الانفجار ، لكنه لا يضمن السلام. وإذا استمر التعامل مع مظاهر الأزمة من دون تفكيك أسبابها ، فقد يجد اليمن نفسه أمام دورات جديدة من العنف، فيما تتراكم كلفة الانتظار على شعب أنهكته سنوات الصراع.
من هنا، تقع على المجتمع الدولي مسؤولية تتجاوز الدعوات المتكررة إلى التهدئة . فالمطلوب هو موقف عملي يحد من تدفق الأسلحة، ويدعم الجهود الرامية إلى منع التصعيد، ويلزم الأطراف باحترام القانون الدولي، ويدفع نحو تسوية سياسية تحفظ وحدة اليمن وسيادته، وتعيد مؤسسات الدولة إلى موقعها الطبيعي. ولا يمكن تحقيق ذلك بسياسة تكتفي بإدارة الأزمة أو بالتعامل مع نتائجها كلما اتسعت، بل بمقاربة تعالج جذورها وتمنع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية .
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا تُختزل المأساة اليمنية في التدخلات الخارجية وحدها. فالتدخلات تجد بيئة أكثر قابلية للاختراق حين تتصدع الجبهة الداخلية ، وتغيب الثقة بين القوى السياسية، وتُقدَّم المصالح الفئوية على مقتضيات الدولة.
وقد أظهرت التجربة أن التحالفات التي تُبنى على حسابات ظرفية، من دون رؤية وطنية واضحة، قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً. ولذلك فإن استعادة اليمن لا تتطلب فقط معالجة أثر التدخل الخارجي، بل تستوجب أيضاً مراجعة الأخطاء الداخلية التي أضعفت الدولة وسمحت بتعدد الولاءات ومراكز القرار.
إن الطريق إلى السلام يبدأ بتسوية سياسية جامعة لا تقوم على فرض الأمر الواقع بقوة السلاح، ولا على إقصاء مكونات المجتمع ، بل على ضمانات واضحة لوحدة البلاد، وشراكة وطنية مسؤولة، ومؤسسات تستمد شرعيتها من القانون وإرادة المواطنين. كما يتطلب إعادة بناء الدولة على أساس أن قرار الحرب والسلم حق حصري للمؤسسات الوطنية الشرعية، لا امتيازاً تحتفظ به جماعة مسلحة أو تستخدمه لتحقيق أهداف تتجاوز الحدود والمصالح اليمنية.
لقد أثبتت التجربة اليمنية أن ترك السلاح خارج سلطة الدولة لا يصنع سلاما ، وأن التسويات التي تتجاهل اختلال موازين القوة قد تمنح الأطراف المسلحة وقتاً إضافياً لترسيخ نفوذها. لكن الدرس لا يعني أن الحل العسكري وحده كافٍ، أو أن معاناة المدنيين يمكن أن تكون ثمناً مقبولاً لأي مواجهة. فالخروج من الأزمة يحتاج إلى الجمع بين الحزم في حماية سيادة الدولة، والعمل السياسي الجاد، والالتزام بالقانون الدولي، والاستثمار في الإنسان اليمني الذي دفع أثماناً باهظة لصراعات لم تكن له مصلحة في استمرارها.
وما ينبغي أن يدركه العالم اليوم هو أن اليمن ليس مجرد ساحة بعيدة تتنازعها قوى إقليمية، ولا ملفاً يمكن إبقاؤه مفتوحاً على طاولة المفاوضات إلى أجل غير مسمى . إنه دولة ذات موقع استراتيجي بالغ الحساسية، وشعب يستحق أن يستعيد حقه في الأمن والحياة الكريمة، وأزمة باتت تداعياتها تمس أمن المنطقة والممرات البحرية والتجارة الدولية. وكل يوم يتأخر فيه التوصل إلى معالجة جادة يضيف عبئاً جديداً إلى كلفة الصراع، ويجعل استعادة الاستقرار أكثر تعقيداً.
إن الرسالة التي تختصر المأزق اليمني واضحة : لا يمكن بناء دولة بقرارين، ولا ضمان السلام بجيشين، ولا حماية السيادة فيما تحتفظ جماعات مسلحة بقدرة مستقلة على إشعال الحرب. فالشرعية لا تُختزل في السيطرة على الأرض، والاستقرار لا يعني مجرد غياب المواجهات، والسلام لا يصبح مستداماً إلا حين يعود القرار الوطني إلى مؤسسات الدولة، وتُصان وحدة اليمن، وتُقدَّم مصالح شعبه على حسابات الجماعات ومشروعات النفوذ الخارجي.
إن استعادة الدولة اليمنية ليست شأنا يمنيا مؤجلا ، بل ضرورة لأمن المنطقة واستقرار العالم. فكلما تأخر الحل، اتسعت مساحة المخاطر ، وازدادت كلفة الانهيار، وتقلصت فرص التسوية .
أما الطريق إلى الخلاص ، فيبدأ حين يتوقف السلاح عن مصادرة السياسة، وحين تصبح الدولة المرجعية الوحيدة للقرار الوطني، ويجد اليمنيون أخيراً فرصة للانتقال من زمن الحرب وتنازع الولاءات إلى زمن المؤسسات والسلام والتنمية .
