حين تتحوّل مكافحة المخدرات إلى معركة لحماية الإنسان وصناعة المستقبل .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ليست الكلمات التي تُلقى في المؤتمرات الكبرى مجرد عبارات بروتوكولية عابرة ، ولا تكون قيمة الخطاب في فصاحة ألفاظه وحدها ، بل في الرؤية التي يحملها ، والرسالة التي يبعث بها ، والقدرة على تحويل الأفكار إلى عمل مشترك يحمي المجتمعات ويصون مستقبل الأجيال .
ومن هذا المنطلق، جاءت كلمة معالي الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب ، بمناسبة انعقاد المؤتمر العربي الأربعين لرؤساء أجهزة مكافحة المخدرات لعام 2026، لتؤكد أن مواجهة آفة المخدرات لم تعد قضية أمنية محدودة، بل أصبحت معركة عربية متعددة الأبعاد، عنوانها حماية الإنسان، وغايتها صون استقرار الأوطان .
لقد استوقفتني في كلمة معالي الأمين العام تلك النظرة الشاملة التي تتجاوز حدود الملاحقة الأمنية إلى بناء منظومة عربية متكاملة، قوامها تبادل المعلومات، والإنذار المبكر، وتراكم الخبرات ، وتنسيق الجهود، والانفتاح على المؤسسات الرسمية والمجتمعية.
وهي رؤية تستحق التقدير لأنها تدرك أن المخدرات لا تستهدف فردا بعينه، بل تضرب الأسرة في استقرارها، والشباب في أحلامهم، والمجتمع في تماسكه، والدولة في قدرتها على حماية حاضرها ومستقبلها.
وأجدني، وأنا أتوقف عند مضامين هذه الكلمة ، أمام مسؤول عربي له من الحكمة ما يجعله يدرك أن الأمن ليس مجرد أجهزة تسهر على النظام ، ولا حدود تُحرس، ولا شبكات إجرامية تُفكك، على أهمية ذلك كله، بل هو أيضا وعي يُبنى، ووقاية تُرسخ، ومؤسسات تتعاون، وإنسان يُحمى قبل أن يقع فريسة للإدمان والاستغلال والجريمة .
ولعل أبرز ما يميز هذه المقاربة أنها لا تختزل المواجهة في بعدها الأمني ، بل تفتحها على أفق أوسع، حين تؤكد أهمية تضافر جهود مختلف القطاعات الرسمية والأهلية، ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، وفعاليات المجتمع المدني .
ففي هذه الإشارة بالذات تكمن حكمة التجربة وعمق الرؤية؛ لأن المخدرات لا تُهزم بالمداهمات وحدها، وإن كانت المداهمات ضرورية، وإنما تُهزم أيضا بالتربية، والتوعية، والاحتواء، وتوفير الأمل للشباب، وتجفيف منابع الاستغلال التي تدفع بعضهم إلى مسارات الهلاك.
ومن هنا تبرز أهمية المبادرة المتعلقة بتنظيم أسبوع عربي للوقاية من المخدرات ومكافحتها. إنها أكثر من نشاط توعوي عابر؛ إنها دعوة إلى جعل الوقاية ثقافة مجتمعية دائمة، وإلى نقل المعركة من غرف العمليات الأمنية إلى المدارس والجامعات والأسرة ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. فكل شاب يُحمى من الإدمان مكسب للوطن، وكل أسرة تُنقذ من التفكك انتصار للمجتمع، وكل عقل يُصان من التدمير هو استثمار في مستقبل الأمة.
كما أن العمل على تطوير المرصد العربي للمخدرات، وتعزيز التبادل الفوري للمعلومات، ومتابعة التحولات الدولية في أنماط الإنتاج والاستهلاك والتهريب، يكشف عن إدراك متقدم لطبيعة الخطر. فالجريمة المنظمة لا تعترف بالحدود، وشبكات التهريب تتطور باستمرار، والمواد الاصطناعية تفرض تحديات متجددة، الأمر الذي يجعل العمل العربي المنفرد أقل قدرة على المواجهة، ويجعل التنسيق الجماعي ضرورة لا تحتمل التأجيل.
وفي عالم باتت فيه الجريمة أكثر قدرة على توظيف التكنولوجيا وتغيير أساليبها، تصبح المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب جزءا من منظومة الإنقاذ، ويصبح تبادل الخبرات بين الدول العربية ضرورة لحماية المجتمعات من مخاطر تتجاوز قدرات أي دولة بمفردها. ولذلك، فإن قيمة هذه الاجتماعات لا تُقاس بعدد الأوراق المقدمة أو الكلمات المتبادلة، بل بما تفضي إليه من قرارات قابلة للتنفيذ، وآليات واضحة للمتابعة، ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن العربي في حياته اليومية.
ومن الإنصاف ، في هذا السياق ، الإشادة بالدور الذي يضطلع به مجلس وزراء الداخلية العرب وأمانته العامة في مواصلة بناء جسور التعاون الأمني العربي ، وفي توفير إطار مؤسسي يجمع الخبرات والإمكانات حول قضايا تمس أمن المجتمعات واستقرارها. فالتعاون العربي حين يتحول من شعار إلى منظومة عمل، يصبح قادرا على صناعة الفارق، وحين تتكامل الجهود وتتبادل الدول خبراتها، تتعزز فرص المواجهة الفاعلة للجريمة المنظمة وشبكات الاتجار بالمخدرات .
ولا يمكن، في هذا المقام ، إغفال ما تحمله استضافة تونس لهذه الاجتماعات من دلالة عربية مهمة .
فتونس التي تحتضن مقر مجلس وزراء الداخلية العرب تستقبل هذه المناسبة باعتبارها فضاء للتلاقي والتنسيق وتوحيد الجهود في مواجهة التحديات المشتركة . والأمن العربي ، في نهاية المطاف ، ليس مسؤولية دولة وحدها، بل هو مسؤولية تضامنية تتكامل فيها الأدوار وتلتقي فيها الإرادات، بعيدا عن الحسابات الضيقة، وانطلاقا من حقيقة راسخة مفادها أن استقرار أي بلد عربي يعزز استقرار محيطه .
أما معالي الأمين العام، فإن ما يستحق الإشادة في كلمته هو حرصه على ربط المسؤولية الأمنية بالمسؤولية الإنسانية ، وعلى تأكيد أن مواجهة المخدرات تحتاج إلى علم وتخطيط وتنسيق ، بقدر حاجتها إلى الحزم وإنفاذ القانون. وهي رسالة تعكس فهما لطبيعة المرحلة، حيث لم تعد التحديات الأمنية تُواجه بالأدوات التقليدية وحدها، بل تتطلب مؤسسات متيقظة، ورؤية استباقية، وشراكات فاعلة، وقدرة على استشراف المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات .
إن الإشادة بهذه الكلمة ليست مجاملة لشخص أو احتفاء بمناسبة ، بل تقدير لرسالة تضع الإنسان في قلب الأمن ، وتدعو إلى الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة ، ومن الجهود المتفرقة إلى العمل العربي المتكامل. فالدول لا تحمي مستقبلها بالقوة وحدها، وإنما تحميه أيضا بالحكمة، ولا تنتصر على الآفات الخطيرة بمجرد تجريمها، بل ببناء الوعي الذي يمنع انتشارها، والمؤسسات التي تحاصرها، والفرص التي تمنح الشباب أسبابا حقيقية للتمسك بالحياةر.
وفي المحصلة، فإن الرهان الحقيقي الذي تطرحه هذه الكلمة القيمة يتجاوز نجاح مؤتمر أو صدور توصيات ، ليصل إلى بناء جبهة عربية متماسكة تجعل الوقاية أولوية ، والتنسيق ممارسة دائمة ، وحماية الأجيال مسؤولية مشتركة .
فالمخدرات عدو صامت قد يبدأ باستهداف فرد، لكنه لا يتوقف عند حدود فرد أو أسرة، ومواجهتها واجب لا يقبل التأجيل.
تحية تقدير لمعالي الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب الدكتور محمد بن علي كومان على هذه الرسالة القيمة التي تجمع بين وضوح الرؤية وعمق المسؤولية، وتحية لتونس التي تحتضن هذا العمل العربي المشترك، ولكل الأجهزة والخبراء الذين يحملون على عاتقهم مهمة حماية المجتمعات من هذه الآفة.
فالأمن الحقيقي ليس أن نمنع الخطر من الوصول إلى أبوابنا فحسب، بل أن نحمي الإنسان من السقوط فيه، وأن نصون للشباب أحلامهم، وللأوطان مستقبلها، وللأمة العربية حقها في حياة أكثر أمنا وكرامة واستقرارا .
