هرمز على حافة المواجهة .. هل تغتنم طهران الفرصة الأخيرة لتفادي الانفجار ؟.
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
ليست الدول أمام الحروب مجرد خيارات عسكرية ، بل أمام اختبارات تاريخية تكشف مدى قدرتها على التمييز بين ما تستطيع فعله وما ينبغي لها أن تفعله .
وفي اللحظات التي تقترب فيها المنطقة من حافة الانفجار، لا تُقاس حكمة القيادات بقدرتها على رفع سقف التهديد ، وإنما بشجاعتها في اتخاذ القرار الذي يجنب شعوبها كلفة مواجهة قد تتجاوز نتائجها كل الحسابات .
وإيران اليوم أمام مفترق طرق حاسم : إما أن تغتنم ما تبقى من فرص الدبلوماسية لفتح نافذة نحو التهدئة، أو أن تواصل سياسة التصعيد والمناورة، بما قد يدفع المنطقة إلى مسار يصعب التحكم في نهاياته .
في قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز، لا باعتباره ممرا بحريا فحسب، بل شريانا استراتيجيا تتقاطع عنده مصالح الطاقة والتجارة والأمن الدولي.
فأي اضطراب في حركة الملاحة عبره لا يبقى محصورا في حدود الخليج ، بل تتردد أصداؤه في أسواق العالم ، وتنعكس تداعياته على أسعار الطاقة وكلفة النقل واستقرار سلاسل الإمداد.
ومن هنا، فإن تحويل المضيق إلى ورقة ضغط أو ساحة للمساومات السياسية ليس مجرد تصعيد إقليمي، بل مخاطرة تمس مصالح دول وشعوب لا علاقة لها مباشرة بالصراع .
قد تمنح الجغرافيا إيران موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية ، لكنها لا تمنحها شيكا مفتوحا لتوظيف هذا الموقع من دون عواقب . فالموقع الذي يمكن أن يكون جسرا للتجارة والتعاون قد يتحول، إذا استُخدم أداة للتهديد، إلى مصدر للعزلة والاضطراب.
وكلما ارتفعت المخاطر على حرية الملاحة، تراجعت فرص بناء الثقة، واتسعت دائرة الأطراف المعنية بالأزمة، وأصبح احتواء التصعيد أكثر صعوبة وكلفة.
فالقوة الجغرافية لا تتحول تلقائيا إلى مكسب سياسي، ولا يكفي امتلاك أوراق الضغط لضمان نتائج تفاوضية تخدم المصالح الوطنية على المدى البعيد .
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي لطهران أن تدركها : إن القدرة على تهديد الاستقرار لا تعني امتلاك القدرة على التحكم في نتائجه . فقد يبدأ التصعيد بقرار محسوب في نظر أصحابه، لكنه قد يطلق سلسلة من ردود الفعل التي تتجاوز الحسابات الأولية ، وتفتح الباب أمام مواجهة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والأمنية .
وعندما تتعدد أطراف الأزمة وتتسع ساحاتها، لا يعود من السهل تحديد سقفها أو ضمان توقفها عند الحدود التي أرادها من أشعل شرارتها .
إن الرهان على رفع كلفة المواجهة قد يبدو وسيلة لانتزاع تنازلات، لكنه قد ينقلب إلى عبء على الدولة نفسها، خصوصا حين تتراكم الضغوط الاقتصادية وتتراجع فرص الاستثمار والاستقرار، وتجد المجتمعات نفسها أمام أعباء إضافية لا تتحملها الحسابات السياسية وحدها.
فالشعب الإيراني، شأنه شأن شعوب المنطقة، ليس بحاجة إلى مغامرة جديدة تثقل مستقبله، بل إلى أفق من الاستقرار والتنمية، وإلى سياسة خارجية تحمي مصالحه وتفتح أمامه أبواب التعاون، بدلا من إبقائه في دائرة التوتر والعقوبات والمخاوف.
ولا يعني اختيار الدبلوماسية أن تتخلى إيران عن مصالحها المشروعة أو أن تقبل بإملاءات الآخرين، بل يعني أن تدير خلافاتها بوسائل تتيح لها تحقيق مكاسب قابلة للاستمرار.
فالتفاوض ليس علامة ضعف، كما أن التراجع عن التصعيد ليس هزيمة. إنما تكمن المسؤولية السياسية في معرفة اللحظة التي يصبح فيها استمرار الضغط أقل جدوى من التسوية، واللحظة التي تتحول فيها أوراق القوة من أدوات لخدمة المصالح إلى عوامل تهددها.
ومن هذا المنطلق ، فإن أي تحرك إقليمي لاحتواء التوتر ينبغي أن يُقاس بقدرته على الانتقال من التصريحات إلى الالتزامات العملية : ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، واحترام سيادة الدول ، وصون أمن الخليج، وتجنب استهداف المصالح المدنية والاقتصادية، وفتح قنوات حوار جادة لمعالجة جذور الخلافات. فالتهدئة التي لا تستند إلى ضمانات واضحة تظل هدنة هشة، والتفاهم الذي لا يترجم إلى خطوات ملموسة قد يتحول إلى مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من التصعيد.
كما أن أمن الخليج لا يمكن أن يقوم على معادلة الخوف المتبادل، ولا على فرض الأمر الواقع بالقوة أو التلويح بها، وإنما يحتاج إلى تفاهمات تحترم مصالح دول المنطقة وسيادتها، وتمنع تحويل الممرات البحرية الحيوية إلى رهائن للصراعات السياسية. فاستقرار الخليج ليس شأنا محليا فحسب، بل مصلحة دولية ترتبط بها حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة والاقتصاد، ولذلك فإن الحفاظ عليه مسؤولية تتجاوز حدود الحسابات الثنائية والإقليمية .
أما المجتمع الدولي، فإن مسؤوليته لا تقتصر على التحذير من مخاطر التصعيد ، بل تشمل دعم المسارات الدبلوماسية ، وتوفير الضمانات اللازمة لحرية الملاحة، والعمل على منع انزلاق الخلافات إلى مواجهة مفتوحة . فكلما تراجعت الثقة بين الأطراف، ازدادت الحاجة إلى قنوات اتصال فعالة وآليات واضحة لخفض التوتر، حتى لا تصبح الحوادث الميدانية شرارة لأزمة أوسع لا يرغب أحد في تحمل نتائجها.
وبالنسبة إلى طهران، فإن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقاً بمدى قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط، بل بقدرتها على تحويل موقعها الاستراتيجي إلى فرصة سياسية، وعلى حماية مصالحها من تداعيات خيارات قد تكون كلفتها أكبر من مكاسبها المحتملة.
فالدول لا تُقاس قوتها فقط بما تمتلكه من وسائل الردع، بل أيضا بقدرتها على تجنيب شعوبها الحروب، وتوفير شروط الاستقرار، وصناعة تسويات تحفظ الكرامة والمصلحة من دون دفع المنطقة إلى حافة المجهول .
إن أخطر ما في اللحظات الحرجة ليس ارتفاع منسوب التهديد وحده، بل الاعتقاد بأن التصعيد يمكن أن يستمر من دون ثمن، وأن كل خطوة يمكن احتواؤها بالخطوة التالية. فالتاريخ يبين أن الحروب لا تظل دائما ضمن الحدود التي يرسمها أصحاب القرار، وأن الحسابات التي تبدأ بهدف تحسين شروط التفاوض قد تنتهي بخسائر يصعب تعويضها، سياسيا واقتصاديا وإنسانيا.
لهذا، تبدو اللحظة الراهنة اختبارا حقيقيا لإرادة طهران السياسية. وقد لا تكون الفرصة الأخيرة بالمعنى الحرفي، لكن نافذة التسوية قد تضيق كلما تصاعد التوتر وتآكلت الثقة وتعقدت الحسابات. وأمام القيادة الإيرانية خياران تتباين عواقبهما بوضوح: الانخراط الجاد في مسار تفاوضي يضمن حرية الملاحة ويصون المصالح المشروعة ويؤسس لخفض التصعيد، أو مواصلة سياسة حافة الهاوية مع ما تحمله من مخاطر مواجهة قد تتسع رقعتها وتتجاوز كلفتها قدرة الأطراف على الاحتمال.
إن هرمز اليوم ليس مجرد مضيق ينتظر عبور السفن، بل اختبار لإمكانية تغليب العقل على المغامرة، والمصلحة الوطنية على حسابات الاستعراض، والدبلوماسية على منطق فرض الإرادات. والقرار الذي تتخذه طهران لن تنعكس نتائجه على موقعها الإقليمي وحده، بل على أمن الخليج ومستقبل اقتصادات المنطقة واستقرار شعوبها.
فالتاريخ لا يمنح الدول مكانتها لمجرد امتلاك أوراق الضغط، بل يسجل لها قدرتها على استخدام القوة بحكمة، وتوظيف الدبلوماسية بواقعية، وتفادي الكوارث حين تكون سبل تفاديها لا تزال متاحة. وقد تكون أمام إيران فرصة لتغيير اتجاه الأحداث قبل أن تتجاوز نقطة يصعب الرجوع عنها. واغتنام هذه الفرصة ليس تنازلا عن السيادة، بل تعبير عن مسؤولية الدولة تجاه شعبها والمنطقة.
في النهاية، لا يحتاج مضيق هرمز إلى مزيد من التهديدات بقدر ما يحتاج إلى ضمانات تحميه من صراعات النفوذ. ولا تحتاج المنطقة إلى انتصار تكتيكي جديد لطرف على آخر بقدر ما تحتاج إلى تسوية تمنع الجميع من الانزلاق إلى خسارة استراتيجية. أما طهران، فإن اللحظة تضعها أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: ليست الحكمة في معرفة كيف تبدأ المواجهة، بل في امتلاك الشجاعة السياسية لمنعها قبل أن يصبح ثمن إيقافها باهظا على الجميع .
