38°C تونس
27/10/2026
من المسيرة الخضراء إلى عيد الوحدة … المغرب حين تصافح الذاكرةُ المستقبلَ .
أراء وأفكار

من المسيرة الخضراء إلى عيد الوحدة … المغرب حين تصافح الذاكرةُ المستقبلَ .

أكتوبر 27, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست عظمة الأوطان في قدرتها على استعادة أمجادها فحسب ، بل في قدرتها كذلك على تحويل تلك الأمجاد إلى قوة تدفعها نحو المستقبل .
فالتاريخ ، مهما كان مشرقًا ، لا يصبح مشروعا حيّا إلا حين يتجاوز حدود الذاكرة ، ويتحول إلى إرادة للبناء ، ورؤية للتغيير ، وطموح يفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقا أوسع .
ومن هذه الزاوية ، يلتقي عيد الوحدة في المغرب بذكرى المسيرة الخضراء ، في مشهد تتعانق فيه رمزية الأرض مع رهانات الدولة ، وتلتقي فيه ذاكرة الأمس بأسئلة الغد .
في السادس من نوفمبر عام 1975 ، لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حشود بشرية شقّت طريقها نحو الصحراء ، بل كانت لحظة استثنائية اختلط فيها الإيمان بالوطن بالإرادة الشعبية ، وارتفعت فيها المصاحف والأعلام المغربية لتعبّر عن تطلع شعب إلى تأكيد ارتباطه بأرضه .
وبقيت تلك المسيرة ، التي دعا إليها الملك الراحل الحسن الثاني ، إحدى المحطات البارزة في التاريخ المغربي الحديث ، ورمزًا لقدرة التعبئة السلمية على التحول إلى حدث وطني بالغ التأثير .
لم تكن الخضرة في اسم المسيرة لونًا عابرا ، بل غدت في الوجدان المغربي صورة لإرادة أرادت أن تجعل من الانتماء قوة ، ومن الالتفاف حول الوطن عنوانا لمرحلة تاريخية جديدة .
ومنذ ذلك التاريخ ، ظلت المسيرة الخضراء أكثر من ذكرى تُستعاد في المناسبات ، إنها جزء من السردية الوطنية المغربية ، بما تحمله من معاني التلاحم والهوية والتشبث بالوحدة الترابية .
لكن الأمم التي تريد أن تصنع التاريخ لا تكتفي بالاحتفاء بما أنجزه أسلافها ، بل تسأل نفسها باستمرار : ماذا نفعل اليوم بما ورثناه من إرادة ؟ وكيف نجعل من الذاكرة مسؤولية ، ومن الانتماء إنجازا ، ومن الوحدة أفقًا لحياة أفضل ؟ .
هنا تبرز دلالة عيد الوحدة ، الذي أقرّه الملك محمد السادس في الحادي والثلاثين من أكتوبر ، ليكتسب هذا الموعد بُعدًا يتجاوز الاحتفال الرمزي إلى استحضار مسار القضية الوطنية وما يرتبط بها من تحولات سياسية ودبلوماسية وتنموية .
فالوحدة ، في معناها الأعمق ، ليست مجرد حدود على الخريطة ، ولا شعارًا يتردد في المناسبات ، بل مشروع متكامل تُقاس قوته بقدرته على جمع المواطنين حول المستقبل ، وتحويل الاستقرار إلى فرص ، والانتماء إلى مشاركة ، والارتباط بالأرض إلى تنمية يشعر بها الإنسان في حياته اليومية .
لقد دخل الرهان المغربي ، عبر العقود ، مرحلة تتجاوز استحضار التاريخ وتثبيت رمزيته إلى العمل على جعل الأقاليم الجنوبية فضاءً للتنمية والتواصل الاقتصادي والانفتاح الإفريقي .
فالطرق الحديثة ، ومشروعات الطاقة المتجددة ، وتحلية مياه البحر ، والطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة ، ومشروع الميناء الأطلسي بالداخلة ، ليست مجرد منشآت تُضاف إلى المشهد العمراني ، بل أجزاء من تصور يسعى إلى إعادة رسم موقع الجنوب المغربي داخل الاقتصاد الوطني والإقليمي .
إنها رؤية تريد للجغرافيا أن تتحول من امتداد مكاني إلى قيمة اقتصادية ، وللواجهة الأطلسية أن تصبح بوابة للتبادل والاستثمار ، وللأقاليم الجنوبية أن تؤدي دورًا متناميًا في ربط المغرب بعمقه الإفريقي .
غير أن النجاح الحقيقي لهذه الرؤية لا يُقاس بحجم المنشآت وحده ، بل بما تتيحه من فرص عمل ، وما تستقطبه من استثمارات ، وما توفره من خدمات ، وما تمنحه للشباب من أمل في بناء حياتهم داخل مناطقهم . فالمشروعات الكبرى تكتسب معناها الكامل عندما تتحول إلى مكاسب ملموسة في حياة الناس .
وفي موازاة هذا المسار التنموي ، يواصل المغرب تحركاته الدبلوماسية للدفاع عن موقفه بشأن الصحراء الغربية ، مستندًا إلى مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها عام 2007، وإلى شبكة علاقاته وشراكاته الدولية.
وقد شهد الملف خلال السنوات الأخيرة تطورات ومواقف دولية متباينة في طبيعتها ودرجاتها ، عززت حضور المبادرة المغربية في النقاش الدبلوماسي ، من دون أن يعني ذلك انتهاء النزاع بصورة نهائية أو زوال الحاجة إلى مسار سياسي يراعي تعقيداته والتزاماته الدولية .
وتكمن أهمية هذا المسار في أن الدبلوماسية لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد ، كما أن التنمية لا تنفصل عن الاستقرار .
فكل مشروع ناجح يفتح آفاقًا جديدة للتعاون ، وكل شراكة اقتصادية مستدامة تضيف بُعدًا عمليًا إلى الحضور الدولي ، وكل استثمار في الإنسان يمنح المشروع الوطني قدرة أكبر على الاستمرار .
ومن هنا، فإن الرهان المغربي لا يقتصر على تثبيت موقف سياسي ، بل يمتد إلى بناء عناصر قوة اقتصادية ومؤسساتية تجعل من البلاد شريكًا فاعلًا في محيطها الإقليمي والدولي .
وتتجلى هذه الرؤية أيضًا في المبادرة الأطلسية التي أعلنها الملك محمد السادس سنة 2023، بهدف تعزيز فرص ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي . فالمبادرة تفتح باب التفكير في مستقبل يتجاوز الحدود الوطنية الضيقة، ويضع البنية التحتية والموانئ وشبكات النقل والتبادل التجاري في خدمة التكامل الإفريقي .
وهي، بهذا المعنى، تربط الأقاليم الجنوبية بأفق استراتيجي أوسع ، يصبح فيه الموقع الجغرافي مدخلًا للتعاون ، وتتحول فيه المصالح المشتركة إلى فرصة لتعزيز الترابط بين دول القارة .
لكن الوحدة ، مهما بلغت رمزية الاحتفاء بها، لا تكتمل بالمنشآت والمواقف الدبلوماسية وحدها.
فالدولة التي تريد لوحدتها أن تكون راسخة تحتاج إلى عدالة مجالية تضمن توزيعًا منصفًا لثمار التنمية ، ومؤسسات فعالة تعزز الثقة ، ومشاركة سياسية تتيح للمواطن أن يكون شريكًا في القرار ، وسياسات اجتماعية تستجيب لتطلعات الشباب. كما تحتاج إلى أن تجعل الكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص في صميم مشروعها الوطني ، لأن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد ، بل أيضًا بما تمنحه لمواطنيها من إمكانات لتحقيق ذواتهم وصناعة مستقبلهم .
إن الأرض لا تستمد قيمتها من امتدادها الجغرافي وحده ، بل من الإنسان الذي يعمرها، ومن الأمل الذي ينمو فوقها، ومن الفرص التي تتيحها لأبنائها.
ولهذا، فإن التنمية في الأقاليم الجنوبية ليست مسألة اقتصادية فحسب ، بل هي أيضًا تعبير عن معنى المواطنة ، وعن قدرة المشروع الوطني على تحويل الارتباط بالأرض إلى شعور بالإنصاف والمشاركة والمسؤولية المشتركة .
ومن هنا ، يمكن قراءة العلاقة بين المسيرة الخضراء وعيد الوحدة بوصفها انتقالًا من لحظة التعبئة الوطنية إلى مرحلة البناء المتواصل .
فإذا كانت مسيرة 1975 قد جسدت إرادة شعب في الالتفاف حول قضية وطنية ، فإن تحدي الحاضر يتمثل في تحويل تلك الإرادة إلى ثقافة عمل وإنتاج وابتكار ، وإلى مؤسسات قادرة على الاستجابة للتحولات ، وإلى اقتصاد يفتح أبوابه أمام الكفاءات ، ويمنح الأجيال الجديدة أسبابًا حقيقية للثقة في الغد .
فالمغرب الذي يتطلع إلى تعزيز مكانته في إفريقيا ، وتوسيع شراكاته مع أوروبا ، وترسيخ حضوره على الواجهة الأطلسية ، يحتاج إلى أن يجعل التنمية ركيزة لاستقراره ، والاستقرار قاعدة لانفتاحه، والانفتاح وسيلة لبناء شراكات أكثر توازنًا واستدامة.
وبين هذه الأبعاد، تتحدد قدرة الدولة على تحويل موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي إلى فرص استراتيجية واقتصادية واجتماعية .
بين المسيرة الخضراء وعيد الوحدة يمتد خيط من التاريخ ، لكنه لا يقود إلى الماضي وحده ، إنه يشير إلى المستقبل أيضًا.
ففي الأولى تجسدت إرادة وطنية ارتبطت بالأرض والهوية ، وفي الثاني تتجدد الدعوة إلى استحضار هذه الإرادة في سياق جديد ، عنوانه التنمية والعدالة والابتكار وتعزيز الحضور الإفريقي .
ذلك أن التاريخ يمنح الأمم ذاكرتها ، لكنه لا يضمن لها المستقبل . المستقبل تصنعه الرؤية الواضحة، والسياسات الرشيدة، والمؤسسات القوية، والقدرة على تحويل الطموحات إلى إنجازات، والوعود إلى واقع يلمسه المواطن.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق للمغرب المعاصر: أن الوحدة ليست محطة يصل إليها الوطن ثم يكتفي بالاحتفال بها ، بل مسؤولية تتجدد مع كل جيل، ومشروع يتسع كلما تحولت الجغرافيا إلى فرص ، والاستقرار إلى تنمية، والانتماء إلى مواطنة فاعلة ، والدبلوماسية إلى جسور للتعاون .
من خضرة المسيرة إلى أفق الوحدة، لا يستعيد المغرب تاريخه ليقيم فيه ، بل ليستلهم منه طريقه إلى الغد.
فالأوطان لا تعيش بذاكرتها وحدها، وإنما بما تزرعه هذه الذاكرة من إرادة في الحاضر ، وما تفتحه من أبواب أمام المستقبل .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *