38°C تونس
16/10/2026
من الملك عبد العزيز إلى الملك سلمان … حين يصبح الوفاء للمملكة امتحانًا للعروبة .
أراء وأفكار

من الملك عبد العزيز إلى الملك سلمان … حين يصبح الوفاء للمملكة امتحانًا للعروبة .

أكتوبر 16, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست الدول الكبرى بما تملكه من قوة وثروة فحسب ، بل بما تتركه من أثر في تاريخ محيطها ، وما تبنيه من جسور الثقة، وما تتخذه من مواقف حين تضيق الخيارات وتشتد الأزمات .
والمملكة العربية السعودية واحدة من الدول التي لا يمكن قراءة تاريخ المنطقة العربية بمعزل عن حضورها، ولا فهم كثير من محطاته المفصلية دون التوقف عند أدوارها السياسية والاقتصادية والإنسانية ، وما راكمته عبر العقود من علاقات ومبادرات ومواقف تجاه قضايا العرب وشعوبهم .
من عهد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تعاقبت التحولات وتبدلت موازين القوى، لكن المملكة ظلت ركيزة أساسية في معادلات المنطقة، بحكم مكانتها العربية والإسلامية، وثقلها الاقتصادي والسياسي، ودورها في ملفات إقليمية ودولية تتجاوز حدودها .
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه اللحظة الراهنة لا يتعلق بما قدمته السعودية للعرب في الماضي فحسب ، بل بما ينبغي أن يكون عليه الموقف العربي عندما تتعرض المملكة للتهديد ، وتصبح سيادتها وأمنها واستقرارها في دائرة الخطر .
إن الوفاء في العلاقات بين الدول ليس دينًا سياسيًا يُفرض على الشعوب، ولا دعوة إلى التبعية أو التخلي عن حق الاختلاف، وإنما هو ذاكرة أخلاقية تحفظ المواقف من النسيان، وعدالة في قراءة التاريخ، ومسؤولية تفرضها المصالح المشتركة.
فالدول التي تتطلع إلى التضامن حين تواجه المحن ، لا ينبغي لها أن تجعل هذا التضامن انتقائيًا ، ولا أن تتعامل مع أمن الآخرين باعتباره شأنًا ثانويًا لا يعنيها إلا حين تقترب تداعياته من حدودها .
لقد كان الملك عبد العزيز من القادة الذين أدركوا مبكرًا أن بناء الدولة لا ينفصل عن محيطها، وأن استقلال الدول العربية يحتاج إلى إرادة سياسية تحفظ السيادة وتفتح آفاق التعاون .
وفي عام 1945، كانت المملكة من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية، في محطة عكست التطلع إلى إقامة إطار مشترك للتشاور والتنسيق بشأن قضايا المنطقة .
ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات العربية السعودية محطات متعددة، ارتبطت فيها المواقف السياسية بالمساندة الاقتصادية والدبلوماسية ، وفقًا لظروف كل مرحلة وتحدياتها.
في مصر، برزت أهمية الدعم والتنسيق العربيين في محطات مفصلية ، من العدوان الثلاثي عام 1956 إلى تداعيات حرب يونيو 1967، ثم حرب أكتوبر 1973، حين اكتسب الموقف السعودي في مجال الطاقة دلالة سياسية واقتصادية بارزة .
فقد أثبتت تلك المرحلة أن ما تملكه الدول العربية من موارد وإمكانات يمكن أن يتحول إلى أداة تأثير حين تتوافر الإرادة والتنسيق ، وأن المصالح العربية المشتركة لا تُحمى بالخطابات وحدها، بل بمواقف عملية تترجمها إلى واقع .
وفي الأردن ، عكست اتفاقات التضامن العربي في خمسينيات القرن الماضي أهمية المساندة الاقتصادية في دعم الاستقرار . وفي لبنان ، احتضنت المملكة جهودًا عربية أفضت إلى اتفاق الطائف عام 1989، الذي شكل محطة أساسية في مسار إنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء المؤسسات السياسية.
أما فلسطين، فقد بقيت قضية مركزية في السياسة السعودية، بما تتطلبه من تحرك دبلوماسي ودعم سياسي وإنساني، وبما تمثله من اختبار دائم لجدية المواقف العربية تجاه الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
وفي اليمن، امتدت العلاقات السعودية إلى مجالات الإغاثة والتنمية والتحرك السياسي، رغم ما عرفته الأزمة اليمنية من تعقيدات وصراعات وتدخلات جعلت الوصول إلى سلام مستدام مهمة شاقة.
كما عرفت العلاقات السعودية التونسية، وغيرها من العلاقات العربية، مسارات للتعاون السياسي والاقتصادي والتنموي، تؤكد أن الشراكة بين الدول العربية قادرة على خلق فرص أوسع للتنمية وتبادل المصالح والخبرات.
ولا تقتضي الموضوعية وضع هذه التجارب جميعها في مرتبة واحدة، أو تجاهل اختلاف ظروفها ونتائجها، لكنها تقتضي الاعتراف بحقيقة أساسية: أن المملكة كانت فاعلًا حاضرًا في عدد من القضايا العربية الكبرى، وأن ثقلها السياسي والاقتصادي جعلها شريكًا مؤثرًا في محطات تجاوزت آثارها حدودها الوطنية.
وهنا تبدأ دلالة الوفاء الحقيقي .
فليس المطلوب من العرب أن يتخلوا عن استقلال قراراتهم، أو أن يتفقوا مع الرياض في كل الخيارات والتقديرات، بل أن يميزوا بين الاختلاف السياسي المشروع وبين الاعتداء على السيادة، وبين النقد الذي يثري العلاقات والاستهداف الذي يهدد أمن الدول ويعرض المدنيين للخطر. فالمواقف المبدئية لا تُقاس بمدى تطابقها مع المصالح الآنية، وإنما بقدرتها على الثبات أمام تغير الظروف واختلاف المواقع .
ومن هذا المنطلق ، فإن التضامن مع المملكة العربية السعودية عندما تتعرض للاعتداء ليس مجاملة دبلوماسية، ولا استجابة عاطفية عابرة، بل تعبير عن احترام سيادة الدول، ورفض استخدام العنف ضد المدنيين، وصيانة الحد الأدنى من القواعد التي تتيح للمنطقة أن تعيش بعيدًا عن منطق الفوضى والابتزاز.
إن استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وفق ما ورد في التقارير المشار إليها بشأن تطورات أكتوبر 2026، يضع أمن المنشآت المدنية في صلب النقاش الإقليمي، ويعيد التذكير بأن اتساع دائرة المواجهة لا يهدد الجيوش ومواقعها وحدها، بل قد يمتد إلى مرافق يعتمد عليها ملايين البشر في حياتهم اليومية.
وتظل تفاصيل هذه الحوادث ومسؤوليات الأطراف المعنية خاضعة لما تثبته المصادر الموثوقة والتحقيقات، لكن المبدأ لا يحتاج إلى التباس : المنشآت المدنية ليست أهدافًا مشروعة لتصفية الحسابات السياسية، وحياة المدنيين لا يجوز أن تتحول إلى ورقة ضغط في صراعات النفوذ.
فالمطار ليس مدرجا للطائرات وصالات للمغادرة والوصول فحسب ، إنه شريان يربط الناس بأسرهم وأعمالهم وعلاجهم ودراستهم، وبوابة تتقاطع عندها حركة السفر والتجارة والاستثمار .
وأي تهديد له يتجاوز الأضرار المباشرة إلى زعزعة الشعور بالأمان، وإرباك الحياة الاقتصادية، وإثارة المخاوف لدى المسافرين والمقيمين .
وينطبق ذلك على سائر المنشآت المدنية والاقتصادية التي تقوم عليها حياة المجتمعات واستمرارية الخدمات الأساسية.
ولا يمكن قبول استهداف هذه المنشآت في السعودية، كما لا يمكن قبوله في أي دولة عربية أخرى.
فالأمن ليس امتيازًا تمنحه موازين القوة، وحماية المدنيين ليست مبدأ يُستدعى عندما يخدم طرفًا ويُهمَل عندما يتعلق بطرف آخر. إن ازدواجية المعايير لا تضعف الموقف الأخلاقي فحسب، بل تقوض الثقة بين الشعوب، وتمنح العنف مساحة أوسع للتمدد.
ومن الخطأ النظر إلى أمن المملكة باعتباره شأنًا داخليًا سعوديًا لا يتجاوز حدودها . فالسعودية بما تمثله من ثقل في الخليج العربي، ومكانة في أسواق الطاقة ، وحضور في التجارة والاستثمار، تؤثر في شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية .
وأي اضطراب أمني كبير يطالها قد تنعكس تداعياته على حركة السفر والتجارة والاستثمار، وعلى حسابات الاستقرار في المنطقة بأسرها. ومن ثم، فإن الدفاع عن استقرارها ليس مجرد تعبير عن علاقة ثنائية، بل مساهمة في حماية بيئة إقليمية تحتاج إليها جميع الدول العربية.
غير أن المساندة المسؤولة لا تعني الانجرار إلى التصعيد، ولا تحويل التضامن إلى دعوة لحرب مفتوحة.
فالموقف العربي الأقوى هو الذي يجمع بين الوضوح في رفض الاعتداءات والدفاع عن حق المملكة في حماية أراضيها وسكانها، وبين العمل على منع اتساع المواجهة وتغليب الحلول السياسية والالتزام بالقانون الدولي.
إن الغاية ليست إنتاج دورة جديدة من الانتقام، بل وضع حد للاعتداءات، وحماية المدنيين، ومنع المنطقة من الانزلاق إلى صراع أشمل يدفع الجميع ثمنه.
ومن هنا، فإن التضامن العربي المطلوب ينبغي أن يتجاوز البيانات التقليدية إلى خطوات عملية تبدأ بإدانة واضحة للاعتداءات على المدنيين والمنشآت المدنية ، وتستند إلى معلومات موثوقة، وتدعم التحرك الدبلوماسي في المحافل الدولية، وتعزز التعاون المشروع لحماية البنية التحتية والسكان، وتساند الجهود الرامية إلى خفض التوتر ومنع تكرار الاعتداءات.
ولا تقع هذه المسؤولية على الحكومات وحدها .
فالإعلام العربي، والنخب الثقافية والفكرية، والمؤسسات البحثية، ومنظمات المجتمع، معنية جميعها بتكوين وعي عام يميز بين الوقائع والشائعات، وبين التضامن المسؤول والتحريض، وبين الدفاع عن السيادة وتبرير التصعيد.
فالمواقف التي تُبنى على المبالغة والمعلومات غير الموثقة قد تضعف القضية التي تريد الدفاع عنها، بينما تمنحها الدقة والموضوعية قوة إضافية ومصداقية أوسع.
وللمملكة مكانة تتجاوز السياسة والاقتصاد، بحكم احتضانها الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وما تمثله خدمة الحجاج والمعتمرين من مسؤولية دينية وإنسانية عظيمة.
فقلوب ملايين المسلمين تتجه إلى مكة المكرمة، وترتبط بالمدينة المنورة بوشائج الإيمان والمحبة، وتستقبل المملكة كل عام وفودًا من مختلف أنحاء العالم لأداء مناسك الحج والعمرة.
وهذه المكانة تضفي على أمنها واستقرارها أهمية روحية وإنسانية واسعة ، من دون أن تلغي القواعد التي ينبغي أن تحكم العلاقات الدولية أو أن تحل محل الاحتكام إلى العدالة والقانون .
وفي عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، تواصل المملكة التعامل مع ملفات إقليمية ودولية معقدة، في مرحلة تتشابك فيها التحديات الأمنية مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والإنسانية.
كما تمضي في تنفيذ رؤية 2030، التي تستهدف تنويع الاقتصاد وتوسيع فرص الاستثمار وتطوير السياحة والتكنولوجيا والثقافة، وبناء مسارات جديدة للنمو .
وهذه التحولات لا تهم المملكة وحدها ، إذ تتيح للدول العربية فرصًا للتعاون وتبادل الخبرات وإقامة الشراكات وخلق فرص العمل، بما يجعل استقرار السعودية مصلحة مشتركة تتصل بمستقبل التنمية في المنطقة.
لكن الاعتراف بهذه الأهمية لا ينبغي أن يظل حبيس الخطاب .
فالعالم العربي الذي يواجه أزمات متشابكة يحتاج إلى مراجعة معنى العمل المشترك، وإلى الانتقال من التضامن الموسمي إلى بناء آليات أكثر فاعلية للتنسيق في مجالات الأمن والطاقة والغذاء والتكنولوجيا وحماية البنية التحتية ومواجهة التضليل الإعلامي .
كما يحتاج إلى تعاون إنساني أكثر قدرة على الاستجابة للأزمات ، وإلى جهود سياسية تفتح الطريق أمام تسويات مستدامة للنزاعات التي استنزفت شعوبه وأضعفت دوله.
لقد أثبتت التجارب أن ترك كل دولة تواجه التهديدات وحدها يزيد كلفة الأزمات ويمنح القوى المتصارعة فرصًا أوسع لتوسيع نفوذها، بينما يوفر التنسيق العربي مساحة أكبر لحماية المصالح وصون استقلال القرار. وليس مطلوبًا أن تتطابق مواقف الدول في كل التفاصيل، فذلك أمر لا تتيحه اختلافات المصالح والظروف، لكن المطلوب أن تلتقي عند مبادئ لا يصح التنازل عنها : احترام السيادة، ورفض الاعتداء على المدنيين، وحماية المنشآت المدنية، والتمسك بالحلول السياسية، وعدم تحويل الخلافات إلى مبرر لزعزعة أمن الشعوب .
وإذا كان الملك عبد العزيز قد أسهم في وضع اللبنات الأولى للعمل العربي المشترك، فإن مسؤولية الأجيال الحالية تتمثل في تحويل هذا الإرث إلى ممارسة تواكب تحديات القرن الحادي والعشرين .
فالتضامن لم يعد مجرد موقف سياسي أو مساعدة مالية، بل أصبح منظومة متكاملة من التعاون في الأمن السيبراني، وحماية المرافق الحيوية، وضمان استمرارية سلاسل الإمداد، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي، وتبادل المعلومات، ومواجهة الحملات المضللة التي تستهدف الثقة بين الدول والشعوب.
إن الوفاء للمملكة لا يعني تقديمها دولة فوق النقد ، ولا اختزال العلاقات العربية في سجل من المواقف الماضية ، بل يعني قراءة تاريخها بإنصاف ، والاعتراف بما قدمته في محطات مختلفة، والاحتكام إلى المبادئ نفسها عندما تتعرض للتهديد .
فالدول القوية لا تحتاج إلى المديح بقدر ما تحتاج إلى علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والوضوح في المواقف، والقدرة على الاختلاف من دون المساس بالسيادة أو تعريض المدنيين للخطر.
ومن الظلم أن يُطلب التضامن العربي حين تتعرض دولة لأزمة، ثم يُتعامل مع تهديد دولة أخرى بمنطق المتفرج. فالتضامن الذي يسير في اتجاه واحد لا يصنع منظومة عربية متماسكة، والذاكرة التي تحفظ ما للآخرين من حقوق ولا تحفظ ما لهم من مواقف تتحول إلى ذاكرة انتقائية تفقد قدرتها على بناء الثقة.
من الملك عبد العزيز إلى الملك سلمان، ليست الحكاية مجرد تعاقب ملوك أو استعراض لمحطات تاريخية، بل امتداد لمسؤولية عربية تتجدد مع كل أزمة ، واختبار لقدرة الدول على تحويل التاريخ المشترك إلى موقف مسؤول .
فالمملكة العربية السعودية ليست معنية وحدها بحماية أمنها واستقرارها، كما أن الدول العربية الأخرى ليست مطالبة بالتخلي عن استقلالها أو مصالحها ، لكنها جميعًا معنية بإقامة بيئة إقليمية لا تصبح فيها الاعتداءات على السيادة والمنشآت المدنية أمرًا مألوفًا، ولا يتحول فيها أمن الشعوب إلى ورقة في صراعات لا تنتهي.
إن الوقوف إلى جانب المملكة اليوم هو، في جوهره، وقوف إلى جانب مبدأ سيادة الدول، وحرمة المدنيين، واستقرار المنطقة، وحق الشعوب في حياة آمنة ومستقبل تصنعه بإرادتها.
وهو أيضًا دعوة إلى تضامن عربي لا يستند إلى العاطفة وحدها ، بل إلى الوعي بالتاريخ، والإنصاف في تقييم المواقف، والالتزام بقواعد القانون، والعمل المشترك من أجل مستقبل أقل اضطرابًا وأكثر قدرة على احتواء الأزمات.
فالوفاء ليس أن نستحضر الماضي لنكتفي بمدحه، بل أن نستخلص منه ما يلزم للحاضر. والعروبة ليست كلمات تُقال في المناسبات ، وإنما مسؤولية تُترجم إلى مواقف حين تُختبر المبادئ .
والمواقف لا تُقاس بما تقوله الدول في أوقات الرخاء، بل بما تفعله عندما يصبح التضامن ضرورة ، والوفاء امتحانًا ، ومستقبل المنطقة مسؤولية لا يستطيع أحد أن ينهض بها منفردا .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *