الإمارات … شجاعة أن تختار طريقاً مختلفا .
بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في منطقة اعتادت أن تدفع ثمنا باهظا للصراعات والانقسامات ، تبدو بعض الخيارات السياسية وكأنها خروج عن المألوف .
وحين يقول الاستاذ أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات ، إن الإمارات ستبقى ” منارة للتسامح وحصنا ضد التطرف والإرهاب وقوة تصنع التغيير الإيجابي في المنطقة ” ، فإنه لا يطلق مجرد عبارة دبلوماسية، بل يختصر في كلمات قليلة ملامح رؤية اختارت أبوظبي أن تبني عليها حضورها ودورها.
إنها رؤية تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد : أن مستقبل الدول لا يصنعه الاستسلام لمعادلات الماضي ، وإنما القدرة على امتلاك شجاعة البحث عن طريق آخر .
طريق لا يبدأ من الخوف من الآخر، ولا من الانغلاق على الذات ، ولا من الاستثمار في الانقسامات ، بل من التنمية والانفتاح والتسامح والتعليم والابتكار والدبلوماسية وبناء الجسور .
ومن الطبيعي أن تثير الخيارات المختلفة نقاشا واختلافا ، و أن تواجه الدول التي تسلك مسارات غير مألوفة اعتراضات و انتقادات من أطراف ترى المنطقة من زوايا أخرى .
لكن الإمارات اختارت أن تجعل من اختلاف الرؤى جزءا من المشهد ، لا سببا للتراجع عن مشروعها .
فهي لم تتعامل مع التسامح باعتباره شعارا موسميا ، بل سعت إلى تحويله إلى جزء من صورة الدولة ومؤسساتها ومجتمعها ، بالتوازي مع الاستثمار في التعليم والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والثقافة ، باعتبارها أدوات لا لبناء اقتصاد قوي فحسب ، وإنما لبناء إنسان أكثر قدرة على التعامل مع عالم سريع التحول .
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التجربة الإماراتية .
فمواجهة التطرف لا تختصر في الإجراءات الأمنية ، مهما كانت ضرورتها ، لأن التطرف يجد بيئته أيضا في الجهل والإقصاء واليأس والانغلاق وغياب الأفق .
ولذلك فإن تجفيف منابعه يبدأ كذلك من المدرسة والجامعة والثقافة والإعلام والتنمية، ومن منح الإنسان شعورا بأن المستقبل يمكن أن يكون أوسع من الخوف، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة الصراع.
ومن هذه الزاوية ، يصبح التسامح والتنمية وجهين لفكرة واحدة .
فالدولة التي تريد أن تستقطب العقول والاستثمارات ، وأن تتحول إلى مركز للابتكار والتكنولوجيا والثقافة ، وأن تفتح اقتصادها على العالم، لا تستطيع أن تبني مشروعها خلف الأبواب المغلقة .
كما أن الدولة التي تريد أن يكون لها تأثير يتجاوز حدودها تحتاج إلى ما هو أبعد من أدوات القوة التقليدية : تحتاج إلى قوة الفكرة ، وقوة النموذج ، وقوة الدبلوماسية ، وقوة القدرة على التواصل مع الآخرين .
ولذلك فإن الانفتاح في التجربة الإماراتية لا يبدو مجرد انفتاح على العالم، وإنما انفتاح على المستقبل نفسه .
قد تختلف دول وأطراف مع الإمارات في بعض سياساتها أو خياراتها ، وقد يستمر الجدل حول أدوارها ومواقفها ، لكن هذا الجدل لا يلغي حقيقة واضحة : الإمارات اختارت أن تستثمر في أدوات المستقبل ، وأن تجعل التنمية والابتكار والانفتاح جزءا من مشروعها الوطني .
والأهم أن التسامح ، كما تقدمه هذه الرؤية ، ليس ضعفا ، كما أن الانفتاح ليس تخليا عن الثوابت ، والحوار ليس تنازلاً عن المصالح .
فالدولة تستطيع أن تكون منفتحة من دون أن تكون بلا ثوابت ، ومتسامحة من دون أن تتخلى عن أمنها ، ودبلوماسية من دون أن تتنازل عن مصالحها .
القوة ، في بعض الأحيان ، لا تكون في رفع الصوت، وإنما في وضوح الرؤية والقدرة على الاستمرار .
ومن هنا تصبح عبارة قرقاش عن ” قوة تصنع التغيير الإيجابي في المنطقة ” جديرة بالتأمل .
فالدول لا تصنع التغيير فقط عندما تدخل الأزمات، وإنما تستطيع أن تصنعه أيضا عندما تقدم نموذجا مختلفا في إدارة المستقبل .
وفي عالم تتسع فيه مساحات الانقسام ، اختارت الإمارات الاستثمار في الجسور .
وفي بيئة إقليمية عرفت الكثير من صدامات الهويات ، دفعت باتجاه التعدد والانفتاح . وفي وقت ينشغل فيه كثيرون بصراعات الماضي، وضعت جانبا كبيرا من رهاناتها على التكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة والابتكار .
قد يختلف الناس في تقييم بعض السياسات، وهذا جزء طبيعي من النقاش العام ، لكن المسار العام للمشروع الإماراتي يظل واضحا : بناء دولة تريد أن تصنع موقعها في العالم، لا أن تنتظر الآخرين ليحددوا لها موقعها.
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق في كلمات أنور قرقاش : أن التسامح ليس ترفا ، والانفتاح ليس تنازلا ، والتنمية ليست مجرد أرقام ، وإنما جميعها أدوات لبناء دولة تنظر إلى الأمام.
وفي منطقة لا تزال تبحث عن مخارج من أزماتها المتراكمة، يصبح السؤال الأهم ليس لماذا اختارت الإمارات طريقا مختلفا ، وإنما ماذا يمكن أن يحدث عندما تمتلك الدول شجاعة اختيار المستقبل ؟.
فالإمارات اختارت طريقا .
طريقاً ترى فيه أن القوة يمكن أن تلتقي مع التسامح ، وأن التنمية يمكن أن تصبح أداة للاستقرار، وأن الدبلوماسية يمكن أن تفتح الأبواب التي تغلقها الصراعات .
وربما لهذا تختصر كلمات قرقاش جوهر هذه الرؤية في ثلاث صور واضحة : منارة للتسامح، حصن في مواجهة التطرف والإرهاب ، وقوة تسعى إلى صناعة تغيير إيجابي في المنطقة .
إنها، في النهاية، شجاعة أن تختار طريقاً مختلفاً… والأهم، شجاعة أن تواصل السير فيه .
