الصحراء المغربية .. دبلوماسية الملك محمد السادس تحصد ثمارها في نيويورك .
بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في نيويورك ، حيث تجتمع إرادات العالم وتُختبر قدرة الدول على صناعة التوازنات، لم يكن حضور المغرب في الأسبوع رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة حضورا بروتوكوليا عابرا ، بل كان محطة جديدة في مسار دبلوماسي طويل النفس ، يقوده الملك محمد السادس بثبات ووضوح ، ويضع قضية الصحراء المغربية في قلب التحرك الخارجي للمملكة .
فالمغرب لم يذهب إلى الأمم المتحدة ليعيد طرح القضية من نقطة الصفر ، وإنما ذهب ليكرّس واقعا دبلوماسيا يتسع تدريجيا ، و ليحوّل الدعم الذي ظل يتجسد على المستوى الثنائي إلى حضور متنام على المستوى متعدد الأطراف . وهذا تحديدا ما أشار إليه وزير الخارجية ناصر بوريطة ، عندما أكد أن مواقف دول من قارات مختلفة أصبحت تنخرط في الدينامية الداعمة لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي .
واللافت في حصيلة نيويورك أن خريطة المواقف لا تتحرك في اتجاه واحد داخل منطقة جغرافية محددة ، وإنما تتسع عبر أمريكا اللاتينية والكاريبي وإفريقيا وآسيا ، بما يعكس اتساع دائرة التفاعل مع الطرح المغربي .
فالبيرو، كما أعلن في الرباط ، قررت دعم السيادة المغربية على الصحراء وفتح قنصلية بمدينة الداخلة ، بينما جددت بوليفيا موقفها الداعم لمغربية الصحراء وأبدت استعدادها لفتح مكتب تجاري في الأقاليم الجنوبية .
كما أعلنت الشيلي اعترافها رسميا بسيادة المغرب على الصحراء ودعمها للوحدة الترابية للمملكة ، مع توجه لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين على أساس هذا الموقف .
وفي منطقة الكاريبي ، جددت جامايكا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية ، بينما أعلنت موريشيوس تحولا في موقفها باعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلاً ذا مصداقية .
أما بنما، العضو غير الدائم في مجلس الأمن، فقد جددت موقفها الداعم لمغربية الصحراء ، مؤكدة أن سفارتها بالرباط تغطي مجموع التراب المغربي، بما في ذلك الأقاليم الجنوبية .
وفي الاتجاه نفسه ، جاء الموقف الأرميني الداعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، بما يضيف بعدا آخر إلى هذا الامتداد الدولي .
هذه التطورات لا تعني ، بطبيعة الحال ، أن المسار الأممي انتهى أو أن جميع عناصر النزاع حُسمت ، فملف الصحراء المغربية لا يزال مطروحا داخل منظومة الأمم المتحدة ، وله مساراته ومؤسساته ومفاوضاته .
لكن ما يتغير بوضوح هو البيئة الدبلوماسية المحيطة بالملف ، واتساع الدول التي ترى في مبادرة الحكم الذاتي المغربية إطارا للحل أو تعلن دعمها للسيادة المغربية ، وهو ما تقدمه الرباط باعتباره ثمرة لمسار دبلوماسي متراكم .
وهنا تظهر أهمية الرؤية التي أرساها الملك محمد السادس في إدارة قضية الصحراء : الانتقال من منطق الدفاع الدبلوماسي إلى منطق المبادرة ، ومن انتظار مواقف الآخرين إلى بناء شبكة واسعة من الشراكات والمصالح والروابط السياسية والاقتصادية والتنموية .
لقد أدرك المغرب أن القضايا الكبرى لا تُحسم فقط بالخطاب السياسي ، وإنما أيضاً ببناء الثقة ، وتوسيع الشراكات ، وتعزيز الحضور في القارات ، وربط الموقف السياسي بمشاريع اقتصادية وتنموية تجعل الأقاليم الجنوبية جزءاً من دينامية التعاون الدولي .
ولذلك لم تعد الداخلة والعيون مجرد نقطتين جغرافيتين في خريطة النزاع ، بل أصبحتا أيضاً عنوانا للحضور الدبلوماسي والاقتصادي المغربي في الصحراء ، مع تنامي افتتاح القنصليات والتمثيليات والروابط الاقتصادية الدولية .
إن قوة المغرب في هذا الملف لا تختزل في عدد الدول التي أعلنت مواقف مؤيدة له ، وإنما تكمن كذلك في قدرته على تحويل قضية الصحراء إلى جزء من رؤية استراتيجية أوسع لمكانة المملكة في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية والفضاء الأطلسي .
ومن نيويورك، تبدو الرسالة المغربية واضحة : المسار مستمر، والدبلوماسية لا تعمل بمنطق رد الفعل ، وإنما بمنطق تراكم المواقف وبناء التحالفات والشراكات .
ولعل الأهم أن هذا التحرك يأتي عشية اجتماعات مجلس الأمن المرتقبة في أكتوبر، ما يمنح المواقف التي برزت خلال الأسبوع رفيع المستوى أهمية سياسية ودبلوماسية خاصة في قراءة الرباط لمسار القضية.
لقد جعل الملك محمد السادس من قضية الصحراء المغربية قضية وطنية أولى ، لكنه أدرك في الوقت نفسه أن الدفاع عنها يحتاج إلى دبلوماسية هادئة ، صبورة ، واقعية، قادرة على قراءة التحولات الدولية وصناعة الشراكات بدل الاكتفاء بانتظارها .
وهكذا، فإن ما يحدث في نيويورك ليس مجرد قائمة جديدة من المواقف المؤيدة ، بل صورة لمسار طويل تتراكم فيه المواقف وتتسع فيه دائرة العلاقات ، فيما تتحول مبادرة الحكم الذاتي تدريجياً إلى محور رئيسي في النقاش الدولي حول مستقبل الصحراء .
في السياسة الدولية، قد لا تصنع اللحظة الواحدة التاريخ ، لكن تراكم اللحظات يصنع التحول .
والمغرب ، بقيادة الملك محمد السادس، يبدو مصمماً على أن يجعل من هذا التراكم مساراً نحو تثبيت مكانته ومصالحه وسيادته ووحدته الترابية .
