38°C تونس
25/09/2026
حين تحلّق المرأة السعودية … بلقيس الفرج حكاية طموح وطن .
بورتريه

حين تحلّق المرأة السعودية … بلقيس الفرج حكاية طموح وطن .

سبتمبر 25, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم تعد المرأة السعودية تقف عند أبواب المستقبل تنتظر أن تُفتح لها ، بل أصبحت تطرق أبوابه بثقة ، وتدخل إلى ميادينه بكفاءتها، وتصعد إلى مواقع كانت تبدو ، إلى وقت قريب، بعيدة عن متناولها .
ومن بين الصور الأكثر تعبيرا عن هذا التحول ، تبرز قصة بلقيس الفرج ، التي أعلنت إتمام تأهيلها بنجاح على طائرة ” إيرباص A320 ” ، لتصبح، وفق ما أعلنته ، أول امرأة طيار في ” الخطوط السعودية “؟، الناقل الوطني للمملكة .
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى قصة نجاح شخصية لامرأة وصلت إلى قمرة القيادة ، لكن دلالته تتجاوز ذلك بكثير .
فحين تجلس امرأة سعودية في مقعد الطيار، فإنها لا تحمل معها طموحها الشخصي وحده ، وإنما تحمل صورة جديدة لجيل كامل من النساء اللواتي اتسعت أمامهن خرائط الحلم والعمل والإنجاز .
بلقيس الفرج ، وهي تعلن هذه المحطة من مسيرتها عبر منصة ” لينكدإن ” ، لم تتعامل مع الإنجاز باعتباره مجدا شخصيا مغلقا على صاحبه ، بل ردّت الفضل إلى عائلتها ومدربيها ومعلميها، وعبّرت عن امتنانها لـ ” الخطوط السعودية ” على ما قدمته من دعم وثقة .
ولعل في هذه الروح معنى أعمق من مجرد كلمات شكر ، فالنجاحات الكبرى لا تصنعها الموهبة وحدها ، وإنما تنمو حين تلتقي الموهبة بالفرصة ، والطموح بالتأهيل ، والإرادة ببيئة تؤمن بأن الإنسانز، امرأة كان أو رجلا ، يستحق أن يذهب بقدراته إلى أقصى مدى .
وقمرة القيادة ليست مكانًا للرموز المجانية .
إنها فضاء تحكمه المعرفة والانضباط والدقة والمسؤولية، ويحتاج الوصول إليه إلى تدريب صارم وتأهيل متخصص وقدرة على اتخاذ القرار .
ولذلك فإن حضور المرأة السعودية في هذا المجال لا يختصر في صورة جميلة أو عنوان لافت ، بل يعكس مسارا مهنيا يقوم على الكفاءة والاستعداد وتحمل المسؤولية .
ومن هنا تصبح قصة بلقيس الفرج جزءا من حكاية أكبر تعيشها المملكة العربية السعودية ، حكاية مجتمع تتغير فيه صورة المرأة من المشاركة المحدودة إلى الحضور الواسع في قطاعات تتصل مباشرة بمستقبل الدولة واقتصادها ومعرفتها وتقنياتها .
ففي السنوات الأخيرة ، اتسعت أمام السعوديات مساحات العمل والاختصاص ، وتنوعت مواقع حضورهن في الاقتصاد والتعليم والعلوم والتقنية والإعلام والطيران وغيرها من المجالات .
ولم يعد السؤال يدور حول ما إذا كانت المرأة قادرة على الدخول إلى هذه القطاعات ، بقدر ما أصبح التحدي هو كيف تواصل تطوير مهاراتها وتوسيع حضورها وصناعة مسارات جديدة للتميز .
وهنا تكمن قيمة النماذج الفردية .
فكل امرأة تصل إلى موقع جديد لا تصل إليه وحدها تماما ، إذ تترك خلفها أثرا في الوعي العام ، وتفتح نافذة أمام أخريات ، وتمنح فتاة صغيرة تنظر إلى المشهد من بعيد فكرة بسيطة لكنها شديدة القوة: الطريق موجود ، ويمكن عبوره .
إن السعودية التي ترى اليوم إحدى بناتها تستعد للتحليق على متن A320، ترى في الوقت نفسه ثمرة جانب من التحولات التي جعلت الطموح النسائي جزءًا من الحراك الوطني العام .
وفي إطار رؤية المملكة 2030، لم يعد تمكين المرأة مجرد عنوان في خطاب التنمية، بل أصبح مرتبطًا بفتح مسارات للعمل والمشاركة الاقتصادية والمهنية .
وقيمة هذه التحولات تظهر حين تتحول المفاهيم الكبرى إلى مشاهد حقيقية : امرأة في المختبر ، وأخرى في غرفة العمليات ، وثالثة في مركز للابتكار ، ورابعة في مجلس إدارة ، وخامسة في قمرة قيادة طائرة .
وهنا تحديدا تكتسب قصة بلقيس الفرج معناها الرمزي .
فالطائرة لا تختصر المسافة بين مدينتين فقط؛ أحيانًا تختصر المسافة بين زمنين .
زمن كانت فيه بعض المهن تُرسم لها حدود اجتماعية ضيقة ، وزمن جديد تتسع فيه الخيارات أمام المرأة السعودية، ويصبح الطموح المهني جزءا طبيعيا من مشروعها الشخصي والوطني .
والأجمل في تجربة بلقيس أنها لم تنظر إلى ما حققته بوصفه محطة أخيرة ، بل تحدثت عن القادم في رحلتها المهنية .
وهذه ربما هي فلسفة الطموح في أجمل صورها : ألا يتحول النجاح إلى نقطة وصول، بل إلى مدرج إقلاع جديد .
فالإنجاز الحقيقي لا يقول: ” لقد وصلت ” ، وإنما يقول : ” ما زال هناك ما يمكن الوصول إليه ” .
وحين تتقدم المرأة السعودية في مجال جديد ، فإنها لا تغيّر صورتها وحدها ، بل تضيف فصلا جديدا إلى صورة وطن يتغير ويتقدم ويعيد اكتشاف طاقاته البشرية .
لهذا ، فإن بلقيس الفرج ليست فقط حكاية امرأة جلست في قمرة القيادة .
إنها حكاية طموح وجد فرصة ، وكفاءة وجدت طريقها ، وامرأة اختارت أن تجعل من السماء مجالًا جديدًا لحلمها .
وفي كل مرة تحلّق فيها طائرة تقودها سعودية ، ستبقى هناك فتاة أخرى على الأرض ترفع عينيها إلى السماء ، ولا ترى مجرد طائرة تعبر الأفق ، بل ترى احتمالا جديدا لحياتها .
وهكذا لا تكون الحكاية فقط عن امرأة تحلّق في السماء…
بل عن وطن يوسّع للمرأة أفق التحليق .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *