تونس 23°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

مولاي الحسن… صورة دولة تُعدّ مستقبلها بثقة .

بقلم : أ- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في الدول الراسخة، لا يُترك المستقبل للمصادفة ، ولا تُدار الرموز بالارتجال . فالدولة التي تعرف وزنها الإقليمي وتدرك معنى الاستمرارية ، تُحسن هندسة لحظاتها المقبلة بهدوء ودقة .
في هذا الإطار، يبرز مولاي الحسن ، وليّ العهد المغربي ، لا كوجه عابر في المشهد العام ، بل كحضور محسوب يعكس ثبات الدولة ويمنحها امتدادا مطمئنا ، في ظل قيادة جلالة الملك محمد السادس .
خلال كأس أمم إفريقيا بالرباط ، لم يكن ظهور وليّ العهد مجرد التزام بروتوكولي ، بل لحظة رمزية كثيفة الدلالة .
في مدرجات ملعب مولاي عبد الله ، بدا حضوره واثقا ، منضبط الإيقاع ، أنيقا بلا تكلّف ، وكأن المشهد يختزل لغة الدولة المغربية نفسها : وقار بلا ضجيج ، وهيبة بلا استعراض .
تصفيق الجماهير، والتفاعل الواسع على المنصات الرقمية ، لم يكونا تعبيرا عن حماس رياضي فقط ، بل ترجمة لشعور جمعي بالاطمئنان ، وإحساس بأن الدولة حاضرة حتى في تفاصيلها الرمزية .
ما يلفت الانتباه ، في صورة مولاي الحسن هو اقتصاده الواضح في الحركة والكلام .
لا إفراط في الإيماءة ، ولا اندفاع في الانفعال .
لغة الجسد هنا أبلغ من الخطب : وقفة مستقيمة ، نظرة مركّزة ، وتفاعل متزن حتى في لحظات الفرح .
فرحة الهدف ظلّت محكومة بإحساس المسؤولية ، وكأن وليّ العهد يذكّر ، من دون تصريح ، بأن الفضاء العام تحكمه قواعد ، وأن الرمز حين يظهر ، يفعل ذلك بميزان دقيق . لذلك لم يكن غريبا أن تحصد لحظات ظهوره ملايين المشاهدات ، فالجمهور لا يستهلك الصورة فحسب ، بل يلتقط المعنى الكامن خلفها.
تكوينه الأكاديمي في الجيوبوليتيك داخل المغرب ليس تفصيلا عابرا ، بل خيارا دالا . إنه تكوين ينسجم مع مرحلة إقليمية تتشابك فيها السياسة بالأمن ، والدبلوماسية بالاقتصاد ، والسيادة بالتحولات العالمية .
وليّ العهد لا يُقدَّم كنسخة مستعجلة من الحكم ، بل كنتيجة لمسار إعداد هادئ ومتدرّج ، داخل مؤسسة ملكية ترى في الزمن جزءا من الحكمة ، لا عائقا أمامها.
كثيرون ، داخل المغرب وخارجه ، يلمحون في ملامح حضور مولاي الحسن صدى لجده الملك الراحل الحسن الثاني . وليس الأمر تشابها شكليا بقدر ما هو تقاطع في لغة السلطة الرمزية : الصرامة الهادئة ، الهيبة الصامتة ، والقدرة على فرض الحضور دون رفع الصوت . هذا الاستحضار لا ينتمي إلى النوستالجيا ، بل إلى مدرسة ملكية رسّخت مفهوم الدولة القوية والمتماسكة .
فالمغرب ، وهو يتقدّم بثبات ، لا يقطع مع ذاكرته ، بل يعيد تأويلها بما ينسجم مع زمن جديد.
صرامة مولاي الحسن تُقرأ في التفاصيل الصغيرة : احترام دقيق للبروتوكول ، ووعي واضح بموقع الرمز، وانضباط في إدارة المشهد العام . إنها صرامة حسّ الدولة ، لا حدّة الطبع ، صرامة من يدرك أن الهيبة لا تُفرض بالقسوة ، بل تُبنى بالثبات .
وفي بلد جعل من الاستقرار شرطا للتنمية ، تبدو هذه السمة جزءا عضويا من تكوين وليّ عهد يُنتظر منه أن يحمل المشعل حين يحين الوقت.
مولاي الحسن لا يتقدّم المشهد بديلا عن الملك ، بل يتحرك تحت ظله ، في انسجام تام مع تقاليد ملكية ضاربة في العمق . حضوره يمنح صورة مغرب لا يغيب ، دولة تُدار بمنطق الاستمرارية ، وتُعِدّ أجيالها القادمة بعناية ، من دون استعجال أو قطيعة . هو رمز لجيل جديد داخل مؤسسة عريقة ، يجمع بين الشباب والانضباط ، وبين القرب والهيبة، وبين الهدوء والطموح.
هكذا يتشكّل بورتريه وليّ العهد المغربي : شاب قليل الظهور، لكن أثره كثيف ، صامت في حضوره، لكن رمزيته ناطقة . وفي مغرب يرسّخ مكانته الإقليمية ويواصل صعوده بثقة ، يبدو مولاي الحسن عنوان طمأنينة ، وحضورا محسوبا ، وصورة دولة تعرف كيف تحمي حاضرها وهي تبني مستقبلها بإتقان وحكمة.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية