تونس 42°C

11 جويلية 2026

تونس 38°C

11 جويلية 2026

مضيق هرمز … حين تعجز القوة عن صناعة السياسة .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست الأزمة الحقيقية اليوم في مضيق هرمز هي تبادل الصواريخ بين الولايات المتحدة وإيران ، ولا حتى المخاوف من اضطراب أحد أهم الممرات البحرية في العالم ، بل الأزمة الأعمق تكمن في غياب الرؤية السياسية القادرة على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار دائم .
فالقوة قد تنتصر في معركة ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلاما حقيقيا ، ولا أن تؤسس نظاما إقليميا مستقرا .
بعد أسابيع قليلة فقط من الحديث عن اتفاق كان يُفترض أن يخفف منسوب التوتر ويؤسس لمرحلة جديدة ، عادت المنطقة إلى دوامة التصعيد من جديد .
انهارت الهدنة ، واستؤنفت الضربات ، وعادت صفارات الإنذار لتدوي في الخليج ، فيما استعاد مضيق هرمز مكانته بوصفه عنوانا لصراع يتجاوز الملاحة والطاقة ، ليصبح معركة على النفوذ وعلى حق رسم موازين القوة في الشرق الأوسط .
بالنسبة إلى إيران ، لم يكن مضيق هرمز يوما مجرد ممر تعبر منه ناقلات النفط ، بل ظل ورقة استراتيجية تمنحها قدرة على الردع والمساومة في مواجهة الضغوط الدولية .
أما الولايات المتحدة ، فترى أن أمن الملاحة في المضيق جزء من هيبتها الدولية ومن دورها التاريخي في حماية التجارة العالمية ، ولذلك تعتبر أي تهديد لهذا الممر تحديا مباشرا لمكانتها قبل أن يكون تهديداً لأسواق الطاقة .
غير أن الاتفاقات الأخيرة تجاوزت جوهر الأزمة ولم تعالجها .
فقد تحدثت عن حماية الملاحة ، لكنها تركت السؤال الأكثر حساسية معلقا : من يملك الكلمة الفصل في هذا المضيق ؟ ومن يحدد قواعد الأمن فيه ؟ وعندما حاولت واشنطن تكريس ترتيبات بحرية تقلص من هامش النفوذ الإيراني ، قرأت طهران ذلك باعتباره محاولة لتغيير قواعد اللعبة ، فعادت لغة الصواريخ لتحل محل لغة الدبلوماسية .
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى .
فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك أضخم قوة عسكرية في العالم ، لكنها تبدو عاجزة عن تحويل هذا التفوق إلى مشروع سياسي مستقر .
وفي المقابل ، ورغم ما تتعرض له إيران من ضربات وضغوط ، فإنها ما تزال قادرة على فرض معادلة واضحة مفادها أن أمن الخليج لن ينفصل عن أمنها ، وأن استقرار الملاحة لن يتحقق إذا شعرت بأنها مستبعدة من معادلة الأمن الإقليمي .
وما يزيد المشهد ارتباكا هو الأداء الأمريكي نفسه .
فخطاب الإدارة يتبدل بوتيرة سريعة ، مرة تُعلن نهاية الهدنة ، ومرة تدعو إلى وقف الحرب ، ثم تعود لغة التصعيد لتتصدر المشهد مرة اخرى .
هذا التناقض لا يعكس فقط إختلافا في الاستراتيجيات و التكتيكات ، بل يطرح سؤالا أكثر أهمية : هل تمتلك واشنطن بالفعل استراتيجية متكاملة لما بعد استخدام القوة ، أم أنها تكتفي بإدارة الأزمات يوما بيوم ؟.
لقد علمت تجارب الشرق الأوسط المتعاقبة أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لحسم الصراعات . فما أغرق القوى الكبرى في أزمات طويلة لم يكن ضعف الجيوش ، وإنما غياب التصور السياسي لما بعد العمليات العسكرية . وما يجري اليوم في مضيق هرمز قد لا يتحول إلى حرب شاملة ، لكنه قد يرسخ نموذجا أكثر خطورة : تصعيد محدود يتبعه هدوء مؤقت ، ثم انفجار جديد ، في حلقة لا تنتهي تستنزف الجميع من دون أن تمنح أحدا نصرا نهائيا أو سلاما دائما .
و بالتالي ، لا يمكن فصل هذه الأزمة عن الحسابات الداخلية في الولايات المتحدة . فالإدارة الأمريكية تواجه ضغوطا تتعلق بالإنفاق الدفاعي ، والجمهوريون يوازنون بين إظهار الحزم والخشية من كلفة أي حرب طويلة على الناخب الأمريكي ، بينما يرى الديمقراطيون في تداعيات الصراع فرصة لإحراج خصومهم سياسيا .
وهكذا تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع الحسابات الانتخابية ، بما يجعل القرار الاستراتيجي أكثر عرضة للتقلب والتردد .
وفي الوقت نفسه ، لا تقف تحديات المنطقة عند حدود مضيق هرمز .
فالبرنامج النووي الإيراني ، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج ، والعلاقة بين لبنان وإسرائيل ، وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ، كلها ملفات لا يمكن حسمها بالقاذفات ولا بحاملات الطائرات ، وإنما تحتاج إلى إرادة سياسية ورؤية دبلوماسية تنتج حلولاً قابلة للحياة .
إن ما تكشفه الأزمة الراهنة ليس حجم القوة الأمريكية ، بل حجم الفراغ الاستراتيجي الذي يحيط باستخدام هذه القوة .
فعندما تصبح الضربات العسكرية بديلا عن السياسة ، يتحول السلاح من وسيلة لتحقيق أهداف واضحة إلى غاية قائمة بذاتها ، وتدخل المنطقة في دوامة مفتوحة من الأزمات المتلاحقة .
قد لا يُغلق مضيق هرمز بالكامل ، وقد تواصل السفن عبورها تحت حماية الأساطيل الدولية ، لكن الخطر الحقيقي ليس في احتمال توقف الملاحة ، بل في احتمال توقف السياسة نفسها .
فالممرات البحرية الدولية يمكن أن تُفتح من جديد ، أما إذا أُغلقت أبواب الحوار وفُقدت البوصلة الاستراتيجية ، فإن الشرق الأوسط سيبقى أسير دورات متكررة من التصعيد ، تتغير فيها ساحات المواجهة ، بينما يبقى السلام مؤجلا إلى أجل غير معلوم .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية