بقلم حذامي محجوب.
لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق مجرد محطة دبلوماسية عابرة ، ولا مجرد رسالة دعم للسلطة السورية الجديدة ، بل مثلت إعلانا سياسيا واضحا عن عودة فرنسا إلى الساحة السورية بوصفها فاعلا يسعى إلى استعادة نفوذه في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد .
فالزيارة ، وهي الأولى لرئيس دولة أوروبية إلى دمشق منذ انهيار النظام في ديسمبر 2024، جاءت في لحظة دقيقة تتقاطع فيها رهانات الأمن مع حسابات السياسة والاقتصاد ، فيما تتنافس القوى الدولية والإقليمية على رسم ملامح سوريا الجديدة وتحديد موازين القوى فيها .
ولعل المفارقة أن البعد الأمني فرض نفسه بقوة على الزيارة .
فبعد أيام قليلة من الهجوم الذي استهدف قصر العدل في دمشق ، وقع انفجاران قرب فندق “ فور سيزون ” الذي كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي ، وأسفرا عن إصابة عدد من الأشخاص .
ومع ذلك، تمسك ماكرون ببرنامج زيارته ، في رسالة أراد من خلالها التأكيد أن الإرهاب لن يفرض إيقاعه على القرار السياسي ، وأن فرنسا عازمة على مواصلة انخراطها في مستقبل سوريا رغم المخاطر الأمنية .
غير أن الرسالة الأهم كانت سياسية بامتياز . فمنذ استقبال الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الإليزيه خلال مايو 2025، اختارت باريس الانفتاح على القيادة السورية الجديدة ، ودعت إلى مراجعة منظومة العقوبات الغربية باعتبار أن إعادة إنعاش الاقتصاد تمثل شرطا أساسيًا لاستقرار البلاد .
وجاءت زيارة دمشق لتؤكد أن فرنسا لا تريد الاكتفاء بدور المراقب ، بل تسعى إلى أن تكون أحد اللاعبين الرئيسيين في إعادة بناء الدولة السورية وصياغة المرحلة المقبلة .
وتزداد أهمية هذا التحرك في ظل عودة الولايات المتحدة إلى المشهد السوري .
فبعد الدعم الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقيادة الجديدة ، بدا واضحا أن باريس لا ترغب في ترك الملف السوري حكرا على النفوذ الأميركي أو الإقليمي ، بل تسعى إلى تثبيت حضور أوروبي مستقل في واحدة من أكثر الساحات تأثيرا في توازنات الشرق الأوسط .
وخلال الزيارة ، رسم ماكرون ملامح الرؤية الفرنسية لسوريا المستقبل ، مؤكدا أن البلاد “ بحاجة إلى جميع أبنائها ”، وداعيا إلى بناء دولة قانون تضمن مشاركة مختلف المكونات الوطنية ، مع التشديد على حماية الأقليات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي شهدتها المرحلة الانتقالية .
كما أعلن إعادة 51 مليون يورو من الأموال المصادرة العائدة لرفعت الأسد ، في خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية ورمزية ، وتؤكد القطيعة مع إرث النظام السابق .
أما في الجانب الأمني ، فقد أبدت باريس استعدادها لتوسيع التعاون مع دمشق في مجال مكافحة الإرهاب ، مستفيدة من انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “ داعش ”.
وفي المقابل ، طالب الرئيس أحمد الشرع فرنسا بلعب دور أكثر فاعلية في وقف الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية ، بينما اكتفى ماكرون بإدانة تلك الضربات ، مع تأكيده دعمه لاستقرار سوريا وإشادته بما وصفه بالنهج المعتدل للقيادة الجديدة .
لكن الاقتصاد كان ، في الواقع ، العنوان الأكبر للزيارة .
فقد اصطحب الرئيس الفرنسي وفدا يضم كبار رجال الأعمال ، يتقدمهم مسؤولو شركتي “ CMA CGM” و” توتال إنرجيز ”، في إشارة واضحة إلى أن باريس تنظر إلى إعادة إعمار سوريا باعتبارها فرصة استراتيجية بقدر ما هي مسؤولية سياسية .
فالتقديرات الدولية تشير إلى أن كلفة إعادة الإعمار تتجاوز 216 مليار دولار، وهو رقم يفتح الباب أمام واحدة من أكبر الأسواق الاستثمارية في المنطقة خلال العقود المقبلة .
وتسعى فرنسا إلى حجز موقع متقدم في مشاريع الموانئ والطاقة والبنية التحتية والقطاع المالي ، بينما ترى دمشق في الشركات الفرنسية شريكا قادرا على تسهيل عودتها إلى الاقتصاد العالمي ، واستعادة دورها كمحور إقليمي للنقل والطاقة والتجارة في مرحلة تشهد إعادة تشكيل لطرق الإمداد الدولية .
ولم تغب القوة الناعمة عن التحرك الفرنسي .
فقد أعاد ماكرون إلى سوريا ثلاثا وعشرين قطعة أثرية ، وأعلن إعادة افتتاح المعهد الفرنسي للشرق الأدنى ، والعمل على استئناف نشاط المدارس الفرنكوفونية ، في تأكيد على أن النفوذ الفرنسي لا يقوم على الاقتصاد والسياسة وحدهما ، بل يمتد أيضًا إلى الثقافة والتعليم والتراث .
وفي ختام الزيارة ، اتفق الجانبان على إعادة تبادل السفراء واستئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة ، في خطوة تعكس انتقال العلاقات الفرنسية السورية من مرحلة الاتصالات الحذرة إلى مرحلة الشراكة المعلنة .
تكشف هذه الزيارة أن باريس لا تتحرك بمنطق المجاملة الدبلوماسية ، بل وفق رؤية استراتيجية تعتبر أن مستقبل سوريا سيكون أحد المفاتيح الأساسية لإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط .
فمن يشارك اليوم في إعادة بناء الدولة السورية لن يحصد مكاسب اقتصادية فحسب ، بل سيضمن لنفسه موقعا مؤثرا في هندسة النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة .
ولهذا، يمكن قراءة زيارة ماكرون إلى دمشق باعتبارها أكثر من زيارة لرئيس دولة ، إنها إعلان فرنسي عن العودة إلى قلب المشهد السوري ، عبر السياسة والاقتصاد والثقافة والاستثمار ، في سباق دولي يتسارع لرسم ملامح سوريا ما بعد الأسد ، ومن ثم ملامح الشرق الأوسط الجديد .



