بقلم أبوبكر الصغير.
في وقت تتكسّر فيه كل المعايير وتضيع فيه البوصلة بالنسبة للبعض ، يصبح من المؤلم ، بل من الصادم حقا ، أن نرى أصواتا تونسية سياسية وإعلامية وناشطة ، و حتى في وسائل إعلام مهمة ، تنحاز إلى خطاب يبرّر العدوان ويصفّق له ، حتى وإن كان موجها نحو دول لم تُسئ إلينا يوما ، بل كانت الأقرب إلى قلوبنا والأصدق في مواقفها معنا .
أيّ منطق بالله عليكم ، هذا الذي يجعل بعضنا يهلّل لاعتداءات تطال أشقاءنا ؟ وأيّ عمى هذا الذي يدفع إلى الشتم والتشفي والاستهزاء بدول شعوبا و قيادات ، كانت ، ولا تزال، من أكثر البلدان محبة لتونس وشعبها ؟ .
إن الحديث هنا ليس عن اختلاف في الرأي أو تنوّع في المواقف السياسية ، بل عن انزلاق خطير جدا ، نحو الإساءة لعلاقات تُعدّ من أثمن ما تملكه تونس في محيطها العربي. علاقات مع دول عزيزة علينا مثل السعودية و الإمارات و الكويت و سلطنة عمان و قطر و البحرين وهي دول لم نرَ منها إلا المودة ، ولم يصلنا منها إلا الدعم ، في أحلك الظروف وأصعب المحطات .
هذه ليست مجرّد دول على خارطة الجغرافيا ، بل أوطان احتضنت عشرات الآلاف من التونسيين ، فتحت لهم أبواب العمل والعيش الكريم ، ووفّرت لهم فرصا لم تكن متاحة في وطنهم .
هناك، في مدن الخليج ، يعيش أبناء تونس بين إخوتهم، لا كغرباء، بل كأهل و كأحباء .
فكيف نقابل هذا الوفاء؟ بالإساءة؟ بالتحريض؟ بالتشفي؟ بالشماتة ؟.
إن من يتجرأ على شتم و الاساءة لهذه الدول و قياداتها و شعوبها ، لا يسيء إليها بقدر ما يطعن في مصلحة تونس نفسها .
يعبث بصورة بلادنا ، ويهدد جسور الثقة التي بُنيت عبر عقود من الاخوة و الاحترام المتبادل والتعاون الصادق .
لقد كانت دول الخليج الشقيقة دائما في الصف الأول حين احتاجت تونس إلى سند : دعما اقتصاديا و ماليا ، استثمارات ، مساعدات ، ومواقف سياسية ثابتة في الأوقات الحرجة . لم تتأخر، ولم تساوم، ولم تدِر ظهرها .
و في هذا اليوم، و الذي نحن في أمسّ الحاجة إلى اخوتنا و أصدقائنا ، يخرج من بيننا من يختار أن يحرق هذه الجسور ، لا عن جهل فقط، بل أحياناً عن اندفاع أعمى أو حسابات ضيقة لا ترى أبعد من لحظة عابرة او خدمة لاجندات معادلة .
لنقولها ، إنها لحظة تستوجب وقفة ضمير.
لم تطلبنا هذه الدول ان نقف مع سياساتها و قرارتها السيادية ، لكننا مطالبون على الأقل بأن نحفظ الودّ ، وأن نصون الاحترام ، وأن نُدرك أن قوة تونس لا تكون بعداء اعز و اقرب أصدقائها ، بل بحسن إدارة علاقاتها مع من وقفوا معها و اخلصوا لها .
الخليج ليس مجرد شريك ، إنه جزء من الذاكرة الجميلة للتونسيين ، ومن الأمل الذي لا ينبغي أن نبدّده بكلمات متهورة ، طائشة ، و بمواقف ظالمة .
فلنحذر حقا ، قبل أن نفقد ما لا يُعوَّض ، ونستيقظ يوما على ندم لا يُجدي .



