بقلم أبوبكر الصغير.
في ذكرى استقلال تونس ، لا تستعيد البلاد مجرد تاريخٍ مضى ، بل تستحضر روح رجل صاغ ملامح الدولة، وأعاد تعريف معنى الوطن. إنّه المجاهد الأكبر ، الزعيم الذي لم يكن عابرًا في الزمن، بل كان زمنًا كاملًا من الإرادة والجرأة والبصيرة.
لم يكن الاستقلال حدثا عاديا او مجرد لحظة عابرة في مسيرة تونس ، بل كان مشروعا متكاملا قاده الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بعقل الدولة لا بعاطفة الثورة فقط .
منذ فجر إعلان السيادة الوطنية ، أدرك أنّ المعركة الحقيقية تبدأ بعد خروج المستعمر : معركة بناء الإنسان ، تحرير العقل ، وتشييد مؤسسات الدولة الحديثة .
فكان التعليم أول سلاح ، والمرأة أول رهان، والدولة المدنية أول خيار لا رجعة فيه.
لم يكن بورقيبة زعيم شعارات ، بل رجل مواقف و قرارات .
في زمن التردد، كان يحسم .
وفي زمن الضباب، كان يوضح. لم ينتظر توافقات هشّة، بل صنع التوازنات بقوة الرؤية. لذلك لم يكن غريبًا أن تكون تونس من أوائل الدول التي وقفت مع الأشقاء، فبادرت بالاعتراف بدولة الكويت ، وواكبت ميلاد الامارات العربية المتحدة مباركة هذا الإنجاز العظيم ، إيمانًا منه بأنّ التضامن العربي ليس خطابا ، بل مواقف تُكتب في لحظات الحسم.
واليوم، وتونس تتابع ما يدور من تحولات عاصفة في منطقتنا العربية، يشعر كثيرون بفراغ ذلك الصوت الواضح، الصريح، الذي لا يختبئ خلف العبارات الرمادية او البيانات المنمقة .
كم تحتاج تونس اليوم إلى روح الزعيم بورقيبة ، لا لتكرار الماضي ، بل لاستعادة وضوح البوصلة : أن يكون لها موقف ، أن تقول كلمتها ، أن تنحاز لما تراه حقًا دون تردد أو خوف .
لقد كان بورقيبة دائمًا على موعد مع التاريخ. لم يتخلّف عن لحظة، ولم يضيّع فرصة.
كان الزعيم يدرك أنّ الشعوب لا تنتظر طويلًا، وأنّ الأوطان تُبنى بالقرارات الشجاعة لا بالمواقف المؤجلة .
لذلك ظلّ حاضرًا في وجدان التونسيين، لا كذكرى، بل كمعيار : معيار للقيادة، للجرأة، وللإخلاص.
كما لم يكن بورقيبة يسعى إلى مجد شخصي ، بل إلى كتابة تاريخ جديد لتونس . أرادها دولة فاعلة ، لا مفعولا بها، دولة تصنع القرار ولا تنتظر ما يُفرض عليها .
نجح في ذلك، حين وضع أسس دولة قوية بوحدتها، صلبة بمؤسساتها، ومؤمنة بأنّ مصلحة تونس العليا تعلو فوق كل اعتبار .
في هذه الذكرى، لا يكون الوفاء لبورقيبة بالبكاء على الأطلال، بل باستعادة روحه : روح الدولة، روح القرار، وروح المسؤولية.
لأنّ تونس، اليوم أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى أن تؤمن بنفسها كما آمن بها هو قبلنا جميعا … وأن تتكلم بصوتٍ يشبهها ، واضحًا، ثابتًا ، لا يساوم على سيادتها ولا يتردد في نصرة أشقائها .



