تونس 30°C

12 جوان 2026

تونس 38°C

12 جوان 2026

عقدة الخليج في الحسابات الإيرانية … أربعون عاما من تكرار نفس المشهد !!.

ٍبقلم : أبوبكر الصغير .

كلما اندلعت مواجهة بين إيران والولايات المتحدة ، يعود المشهد نفسه إلى الواجهة ،وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بأدوات مختلفة . واشنطن تضرب أو تلوّح بالقوة ، لكن الرد الإيراني لا يتجه دائما نحو حاملات الطائرات الأمريكية أو القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة تهديدا خارج منطقة الخليج ، بل كثيرا ما تمتد تداعيات التصعيد نحو هذه الارض العربية ، وإلى الممرات البحرية الحيوية ، وإلى المنشآت الاقتصادية التي تمثل شريانا أساسيا للاقتصاد الإقليمي والعالمي.
وهنا يبرز سؤال جوهري : لماذا يتحول الخليج العربي ، في كل مرة ، إلى ساحة ضغط ورسائل، رغم أن دوله المسالمة ليست بالضرورة الطرف الذي اتخذ قرار المواجهة مع طهران ؟ .
هذا المنطوق السياسي ليس وليد الأزمة الراهنة ، ولا يرتبط بإدارة أمريكية دون أخرى أو بظرف سياسي عابر . فمنذ حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي ، مرورا بالتوترات التي شهدتها مياه الخليج ، وصولا إلى استهداف الملاحة والمنشآت الحيوية خلال السنوات الأخيرة ، ظل هناك مسار متكرر يعكس رؤية استراتيجية ثابتة أكثر مما يعكس رد فعل لحظيا .
وعندما يتكرر سلوك سياسي وعسكري بهذا الانتظام عبر عقود ، رغم تغير القيادات والظروف ، فإن تفسيره لا يمكن أن يبقى محصورا في منطق الانفعال أو الانتقام الآني . نحن أمام نمط تفكير أعمق ، يرتبط بحسابات النفوذ والردع وإدارة الصراع .
ان التفسير الأكثر تداولا هو أن إيران تستخدم الضغط على الخليج كوسيلة لإيصال رسائل إلى واشنطن ، باعتبار أن المصالح الأمريكية في المنطقة ترتبط إرتباطا وثيقا بأمن الخليج واستقراره .
لكن هذا التفسير ، رغم وجاهته من زاوية الصراع الأمريكي – الإيراني ، يترك سؤالا أكثر تعقيدا دون إجابة : لماذا تتحمل دول الخليج وحدها كلفة صراع لم تكن هي من بدأه ؟ .
ربما تكمن الإجابة في نظرة تاريخية تشكلت لدى طهران تجاه المنطقة . فمنذ عقود ، تنظر بعض دوائر القرار الإيراني إلى الخليج تحديدا جهاز الحرس الثوري ، باعتباره المجال الأكثر حساسية في معادلة القوة ، ومكانا تتقاطع فيه النفوذات الدولية والإقليمية . لذلك يصبح الضغط على دول الخليج ، في الحسابات الإيرانية ، وسيلة لإثبات القدرة على التأثير في أمن الطاقة والممرات البحرية ، وإظهار أن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها فقط .
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها تناقضا كبيرا ، فهي قد تمنح إيران أدوات ضغط مؤقتة ، لكنها في الوقت ذاته تعمّق فقدان الثقة بينها وبين جيرانها ، وتدفع دول الخليج إلى تعزيز شراكاتها الأمنية ، بدل بناء علاقات إقليمية قائمة على التفاهم والمصالح المشتركة .
فأمن الخليج ليس قضية تخص دوله وحدها ، بل هو جزء من استقرار الاقتصاد العالمي . وأي تهديد للملاحة أو للطاقة لا يصيب طرفا واحدا ، بل ينعكس على الجميع، بما في ذلك الشعوب التي تدفع ثمن التوترات السياسية .
لقد أثبتت التجارب أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى فقط على القدرة على الإرباك أو الضغط و حتى التدخل و الأرهاب ، بل على القدرة على خلق الثقة .
والقوة الإقليمية لا تُقاس بمدى قدرة الدولة على جعل الآخرين يخشونها ، بل بقدرتها على جعل جيرانها يرون فيها شريكا لا تهديدا .
بعد أربعة عقود من الأزمات ، ربما يكون السؤال الأهم أمام المنطقة : هل يستمر منطق الصراع المفتوح ، أم تدرك الأطراف المعنية أن أمن الخليج لا يمكن أن يكون رهينة الحسابات المتبادلة بين واشنطن وطهران ؟.
فالمستقبل لن تصنعه فقط الصواريخ والرسائل النارية ، بل أيضا شجاعة الانتقال من منطق الهيمنة والشك إلى منطق الحوار والاحترام المتبادل .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية