تونس 9°C

2 أفريل 2026

تونس 38°C

2 أفريل 2026

فاس… مدينة تُعلِّم الطمأنينة وتمنحك معنى تحالف الحضارات .

بقلم ا. حذامي محجوب .

عدتُ من فاس ولساني ما يزال يتذوّق طعمها، وقلبي يردّد إيقاعها، وروحي معلّقة بذاك الضوء الخفيف الذي يشبه الهمس.
فاس مدينة لا تمشي فيها… بل تسكنك و تُرافقك.
كل حجر في دروب فاس العتيقة يطلّ عليك كصفحة من كتاب مفتوح، وكل زقاق ينساب فيك كسِرّ قديم لا يريد أن ينطفئ .
فاس ليست مكاناً يُزار، بل حالة تُعاش و روح تسكن فيك .
تاريخها لا يُعرض أمامك ، بل يحاورك ، ينبض مع خطواتك، ويعطيك إحساساً نادرا بأنك تتحرك في متحف على هيئة مدينة… مدينة حداثية بقدر ما هي عريقة، واثقة بقدر ما هي متواضعة.
في قلب فاس ، يقف جامع القرويين كجبل من نور، شاهدا على قرونٍ من العلم والفكر وصعود الحضارات. وبجوار ذلك المجد ، يلوذ مقام مولاي إدريس بطمأنينته ، ويلقي في القلب سلاما دافئا يهبط عليك كما يهبط الظلّ على صخرة حارّة .
أسواق فاس ليست مجرد تجارة، إنها لوحة حيّة تتمازج فيها ألوان الحرف وروائح الزمن ، من النحاس إلى الجلود إلى الأعشاب.
عند باب بوجلود تشعر أنك دخلت عالماً آخر، حيث تمتزج الذاكرة الشعبية بمهابة الحاضر.
أما القصر الملكي بفخامته المرصعة بالهوية ، فيذكّرك بأن هذه المدينة لم تكن يوما على هامش التاريخ ، بل في مركزه وقلبه.
فاس مدينة تمنحك إحساسا نادرا بالأمان ، أمان يشبه الحنان ، وكأنها تربّت على روحك وتقول لك : ” هنا يهدأ العالم .
ليس صدفة أن تكون العاصمة الروحية لمملكة ضاربة في جذور التاريخ .
فعلى أرضها ، وقبل أن يتداول العالم مصطلح ” تحالف الحضارات ” ، كان الناس يتقاسمون العلم والحياة باختلاف أديانهم وثقافاتهم .
ألم تكن جامعة القرويين الوجهة التي قصدها المسلمون واليهود وحتى البابوات طلباً للمعرفة ؟ .
في فاس لم يكن الاختلاف حاجزا، بل بابا ، ولم يكن التنوع تهديداً ، بل نعمة تُثري العقل والروح .
اليوم، حين تقف أمام جامعة فاس الأورو- متوسطية، تُدرك أن تلك الروح القديمة لم تنطفئ .
وجود كرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات فيها ليس مجرد حدث أكاديمي ، إنه امتداد طبيعي لمدينة تعرف معنى التلاقي منذ قرون .
هنا تتقاطع الضفتان ، وتلتقي الأفكار ، وتستمر الشعلة ذاتها : شعلة الحوار، والانفتاح، والبحث عن معرفة لا تنفي الأصالة ولا تخشى الحداثة.
أما أهل فاس، فهم فصلٌ آخر من جمال المدينة.
بكرمهم ولباقتهم وصدق تعاملهم، يضيفون لزيارتك بعدا إنسانيا لا يشبه أي مكان آخر.
في كلامهم تسمع هدوء المدينة ، وفي وجوههم ترى أثر حضارة واسعة الصدر، ضاربة الجذور.
إن لفاس سحرا لا يعلّمك المعرفة فقط… بل يعلّمك المعنى ، كلَ المعنى . مدينة تُعيد ترتيب داخلك ، وتصلح كسورك الصغيرة بصمت ، وتجعلك تتأمل الزمن لا كخيط متواصل، بل كحضور متصالح مع نفسه.
في فاس لا ترى التاريخ… بل ترى حياته و كيف يواصل التنفّس
. ولا تزور المكان… بل تزور معنى المكان.
وفي رحابها ، تدرك أن بعض المدن لا تترك فيك ذكريات ، بل تترك فيك تحوّلا خفيفا… يشبه الحكمة.
وأن بعض المدن لا تُدرّسك… بل تُهذّبك.
ولا تُعرّفك فقط على الماضي … بل تُسكنك سكينته ، وتفتح لك باب الحاضر بحنان مدينة تعرف تماما ما تقول.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية