38°C تونس
23/09/2026
القادة يُعرفون عند الأزمات .. لا عند الانتصارات !
وجهة نظر

القادة يُعرفون عند الأزمات .. لا عند الانتصارات !

يوليو 25, 2026

بقلم أ.حذامي محجوب (رئيس التحرير).

في المكتب البيضاوي ، وعلى لوحة زجاجية صغيرة ، وضع الرئيس الأمريكي هاري ترومان عبارة أصبحت من أشهر المبادئ في عالم القيادة : “ The Buck Stops Here”، أي ما ترجمته : “ هنا تتوقف المسؤولية ”.
لم تكن مجرد عبارة تزين مكتب رئيس دولة ، بل كانت إعلانا صريحا عن فلسفة كاملة في الحكم والإدارة ، مفادها أن السلطة ليست امتيازا يمنح صاحبه حق إصدار الأوامر ، بل مسؤولية تفرض عليه تحمل نتائجها .
وربما تكمن أزمة كثير من المؤسسات والدول في أنها نجحت في توزيع الصلاحيات ، لكنها أخفقت في ترسيخ ثقافة المسؤولية . فالنجاح دائمًا يجد من يتسابقون إلى نسبه لأنفسهم ، أما الفشل فيتحول إلى طفل يتيم، يتبرأ منه الجميع ، ويتنقل بين الإدارات واللجان والموظفين ، بينما يبقى صاحب القرار بمنأى عن المساءلة .
فالقيادة ليست مهارة في إدارة النجاحات ، فذلك أمر يسير . أما الاختبار الحقيقي فيبدأ عندما تتعثر الخطط ، أو تتكشف الأخطاء ، أو تضرب الأزمات .
عندها فقط يظهر الفارق بين قائد يعتبر المنصب وسيلة لخدمة المؤسسة ، وآخر يراه درعا يحتمي به من تحمل المسؤولية .
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة ليس وقوع الخطأ ، بل انتشار ثقافة البحث عن “ كبش فداء ”.
فعندما يشعر الموظفون أن كل أزمة قد تنتهي بإلقاء اللوم على أحدهم ، يصبح همهم الأول حماية أنفسهم بدل حماية المؤسسة . وعندئذ تتبدل الأولويات ، فينصرف الجهد إلى كتابة المبررات ، وتوثيق المراسلات ، وإثبات البراءة ، بدلا من البحث عن الحلول .
وهكذا تتحول المؤسسة ، شيئا فشيئا، إلى منظومة للدفاع عن الذات ، لا إلى بيئة للإنتاج والإبداع .
ولهذا لم تعد مدارس الإدارة الحديثة تعتبر الخطأ أكبر المخاطر ، بل ترى أن الخطر الحقيقي يكمن في الخوف من الاعتراف به . فالموظف الذي يخشى العقوبة سيؤجل الإبلاغ عن المشكلة أو يخفيها حتى تستفحل ، أما الذي يعمل في بيئة يسودها العدل والثقة ، فسيسارع إلى كشفها منذ اللحظة الأولى ، مانحا المؤسسة فرصة احتوائها قبل أن تتحول إلى أزمة .
والتاريخ الإداري حافل بالشواهد .
فعندما واجهت شركة “ جونسون آند جونسون ” أزمة تسمم دواء “ تايلنول ” في ثمانينيات القرن الماضي ، لم تبحث عن موظف تلقي عليه المسؤولية ، ولم تنشغل بالدفاع عن صورتها الإعلامية ، بل سحبت ملايين العبوات من الأسواق ، متحملة خسائر مالية ضخمة ، واضعة سلامة المستهلك فوق أي اعتبار .
وقد تحول ذلك القرار إلى نموذج عالمي يُدرّس في كليات الإدارة ، لأنه أثبت أن تحمل المسؤولية يحمي السمعة أكثر مما تحميها حملات التبرير .
وفي المقابل ، دفعت شركات كبرى ثمن ثقافة الإنكار .
ففي فضيحة “ فولكسفاغن ” المتعلقة بالتلاعب في اختبارات الانبعاثات ، لم يكن الضرر ناتجا عن الخلل التقني وحده ، بل عن محاولة إخفاء الحقيقة والتهرب من المسؤولية ، وهو ما كلف الشركة مليارات الدولارات ، وألحق بثقة الجمهور فيها ضررا بالغا.
ولا يختلف الأمر في الحياة السياسية . ففي الدول التي ترسخت فيها ثقافة المساءلة ، قد يقدم وزير أو مسؤول كبير استقالته عقب حادثة جسيمة ، حتى وإن لم يكن هو من ارتكب الخطأ بنفسه ، لأنه يدرك أن المسؤولية السياسية لا تعني الإدانة الجنائية ، وإنما تعني تحمل نتائج ما وقع تحت سلطته .
أما حيث تغيب هذه الثقافة ، فإن المسؤولين يكتفون بإلقاء اللوم على الظروف ، أو الإدارة السابقة ، أو الأزمات العالمية ، وكأن المنصب يمنح صاحبه حق الاحتفاء بالنجاح ، ويعفيه من تبعات الإخفاق .
وفي قطاع الطيران ، وهو من أكثر القطاعات التزاما بثقافة التعلم من الأخطاء ، لا يكون الهدف من التحقيق في الحوادث البحث عن شخص لمعاقبته ، بقدر ما يكون البحث عن خلل في المنظومة ينبغي إصلاحه .
ولذلك أصبح السفر الجوي اليوم أكثر أمانًا من أي وقت مضى ، لأن ثقافة الاعتراف بالخطأ سبقت ثقافة العقاب .
وحتى الرياضة تقدم درسًا بالغ الدلالة . فالمدرب الذي يقف أمام وسائل الإعلام ليتحمل مسؤولية الهزيمة ويحمي لاعبيه من سيل الانتقادات ، لا يفعل ذلك بدافع العاطفة ، بل لأنه يدرك أن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي فريق.
أما من يسارع إلى تحميل لاعبيه مسؤولية كل خسارة ، فإنه يهدم في لحظات ما بناه خلال أشهر من العمل .
إن أعظم القادة في التاريخ لم يكونوا أولئك الذين ادعوا العصمة ، بل الذين امتلكوا شجاعة الاعتراف بالخطأ ، والقدرة على تصحيح المسار. فالاعتراف بالخطأ لا ينتقص من الهيبة ، بل يعززها، لأن الناس لا ينتظرون من قادتهم الكمال ، فالكمال وهم ، وإنما ينتظرون منهم الصدق، والشجاعة ، وتحمل المسؤولية .
ولهذا ، فإن عبارة ترومان ليست مجرد شعار سياسي ، بل فلسفة حضارية متكاملة .
فعندما يعلم الموظف أن رئيسه سيقف أمامه لتحمل المسؤولية ، لا خلفه للبحث عن مذنب ، فإنه يعمل بثقة ، ويبتكر بلا خوف ، ويصارح بالمشكلات دون تردد، لأنه يشعر أن المؤسسة تحمي أبناءها قبل أن تحاسبهم .
فالمؤسسات العظيمة لا تتميز لأنها لا تخطئ ، بل لأنها تعرف كيف تتعامل مع أخطائها . فالخطأ الذي يُعترف به يتحول إلى درس ، والدرس يصبح خبرة ، أما الخطأ الذي يُخفى فيتحول إلى أزمة ، ثم إلى عادة ، ثم إلى ثقافة، وقد ينتهي بانهيار المؤسسة نفسها .
وفي النهاية ، لا تُقاس القيادة بعدد الصلاحيات ، ولا بحجم النفوذ ، ولا بعلو المنصب ، ولا بكثرة التصفيق ، بل بالسؤال الذي يفرض نفسه كلما عصفت أزمة أو وقع إخفاق : من يتقدم أولًا ليتحمل المسؤولية؟
فإن كانت الإجابة : المسؤول او القائد… فاعلم أن المؤسسة تملك قيادة حقيقية .
أما إذا بدأ الجميع يبحث عن متهم ، ويبحث كل مسؤول عمن يلقي عليه اللوم ، او عن شماعة ، فاعلم أن المناصب ما تزال موجودة… لكن القيادة قد غابت فعلا .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *