بقلم ابوبكر الصغير.
من لم يعد لديه وطن ، تصبح الكتابة مكانا له ليعيش فيه .
انّ الكتابة فعل لا يقلّ قداسة عن المطالعة و القراءة ، بل لعلّه وجهها الآخر الأكثر جرأة ومغامرة.
فحين يكتب الإنسان، لا يدوّن كلمات فحسب ، بل يخطّ الحياة ذاتها ، يعيد ترتيب نبضها ، ويمنحها معنى قابلا للبقاء .
انّ لسان البشر كتاب مفتوح على وجه هذه الأرض ، والأيام ليست سوى صفحاتٍ متعاقبة من كتاب العمر، نقرؤها ونحن نعيشها، ونكتبها ونحن نحاول فهمها .
أليست الأقلام مطايا الأذهان ، تحمل الفكر من حدود الصمت إلى رحابة المعنى ؟ .
غيّرت الكتابة وجه العالم، أسكنته نزعة إنسانية عميقة : نزعة الرمز، والإخبار، والتواصل .
بالكتابة خرج الإنسان من عتمة الإشارة إلى ضوء الدلالة ، ومن ضيق اللحظة إلى أفق الذاكرة .
الكتابة ، في جوهرها ، مساحة إنسانية خالصة تفسح المجال أولا للخيال والإبداع ، ولعلّ هذا ما يفسّر لماذا لم تولد مرة واحدة ، بل ولدت مرارا ، كلّما احتاج الإنسان إلى أن يقول نفسه للعالم بطريقة جديدة.
إنها صناعة الإبداع الإنساني ، وصياغة المجد الأرقى .
فكلّ مؤلّف هو تأريخ للحظة تميّز إنساني ، وتخليد لحدث ، أو ذكرى ، أو شأن كان مهدّدا بالنسيان .
ليس من المصادفة أن الحضارات العظيمة جميعها راهنت على إتقان صنعة الكتابة ، لأنها أدركت ما فيها من أثر وتأثير، ومن قدرة على التخليد والحراك وبثّ الحيوية في الزمن .
غير أن الكتابة ليست واحدة . فهناك كتابة تمتلك قوة النص وثراء المضمون ، كتابة قادرة على مقاومة التلاشي ، وعلى العبور من زمنها إلى أزمنة أخرى .
وفي المقابل، هناك كتابة سريعة الاندثار، تولد ضعيفة وتموت أسرع ، لا تنفع ولا تترك أثرا سوى ضجيج عابر.
عندما نكتب ، نتجاوز لحظة العيش الراهنة ، لا نكتفي بنظرة سطحية للوجود ، بل نغوص في أعماقه ونستكشف أبعاده الخفية .
نكتب لننسى أحيانا ، لنخفّف ثقل العالم والحياة وبعض هذا الواقع المعاش . نكتب لنغادر، لننتقل إلى فضاءات أرحب، لنفهم ما استعصى فهمه .
نكتب لنعرف، ولننقل المعرفة، ولنوجّه رسائل تتجاوز حدود المكان والزمان.
نكتب لنعلن من نحن ، كيف نرى العالم ، كيف نفكّر ، وكيف نرى الأمور، لا كما تُفرض علينا ، بل كما نؤمن بها. متعة الكتابة لا تفوقها أيّ متعة أخرى ، فهي لذّة التشكيل ، ومتعة تذوّق الكلمات وهي تتلبّس مشاعرنا وأحاسيسنا ، وننفخ فيها من روحنا ، فتصير أكثر من حروف : تصير حياة ثانية.
في العمق، كلّ إنسان مشروع كاتب، متى صدق مع القلم ، ومتى امتلك الشجاعة ليقول ذاته بلا أقنعة .
فالكتابة ليست امتياز نخبة ، بل نداء إنساني مفتوح لكلّ من أراد أن يترك أثرا ، ولو سطرا واحدا ، في كتاب هذا العالم .

