تونس 26°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

العربية ، لغة الجمال والمعنى والهوية .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

” إِنَّ الذي ملأَ اللغاتِ محاسنًا
جَعَلَ الجَمالَ وَسِرَّهُ في الضّادِ ” .
في اليوم العالمي للغة العربية 18 ديسمبر ، لا نحتفي بلغة بوصفها وسيلة للتخاطب فحسب ، بل نستدعي كيانا حضاريا متكاملا ، صيغت في رحابه الذاكرة الجماعية، وتشكلت عبره أنماط التفكير، وتكوّنت به ملامح الهوية .
فالعربية لم تكن يوما لغة محايدة أو عابرة ، بل كانت على الدوام حاملة للمعنى ، وصانعة للوعي ، ولسان حضارة تركت بصمتها العميقة في الفكر والعلم والسياسة والأدب عبر قرون متعاقبة .
امتلكت اللغة العربية قدرة نادرة على الجمع بين جمال اللفظ ودقة المعنى ، بين موسيقى الحروف وانضباط الدلالة .
فهي لغة اشتقاق وتوليد ، مرنة في بنيتها ، رحبة في أفقها ، قادرة على احتضان المستجدّات دون أن تتخلى عن جذورها، وعلى استيعاب أعقد المفاهيم الفلسفية والعلمية دون أن تفقد روحها الشعرية.
لعلّ سرّ حيويتها واستمرارها يكمن في هذه الخاصية الفريدة التي جعلتها لغة متجددة ، لا تعيش على أمجاد الماضي بل تتغذّى من قابليتها الدائمة للتطوّر.
حين صارت العربية لغة القرآن ، لم تُضَف إليها القداسة فحسب ، بل اكتسبت بعدا كونيا ، فتحولت إلى لغة جامعة عبرت بها العلوم والمعارف ، وازدهرت من خلالها حركة الترجمة ، وصار العقل العربي في لحظة تاريخية مركزا لإنتاج المعرفة لا مجرد ناقل لها.
من بغداد إلى قرطبة ، ومن القيروان إلى دمشق ، كانت العربية لغة الدولة والعلم والفكر، لغة الحياة اليومية كما لغة النخبة ، ولسان السياسة كما خطاب الفلسفة.
غير أن الاحتفاء بالعربية اليوم يفرض سؤالا جوهريا عن موقعها في حاضرنا ، لا بوصفها رمزا ثقافيًةا أو إرثا وجدانيا، بل باعتبارها لغة معرفة وعمل وإبداع . فاللغة التي تُقصى من التعليم الجاد ، أو تُختزل في المناسبات والخطابات الاحتفالية ، تفقد تدريجيا قدرتها على التأثير، مهما بلغت مكانتها الرمزية.
إن الدفاع عن العربية لا يكون بالنوستالجيا ولا بالشعارات ، بل بترسيخها في المدرسة والجامعة ، وفي الإعلام الرصين ، وفي البحث العلمي ، وفي الفضاء الرقمي حيث تُخاض اليوم معركة الوجود اللغوي.
في يوم الضاد، لسنا في حاجة إلى تمجيد اللغة بقدر حاجتنا إلى استعادتها بوصفها أداة تفكير نقدي ، ولغة إنتاج معرفيز، ووسيلة تعبير قادرة على مواكبة تحولات العصر.
فالعربية لا تعادي الحداثة، وإنما تُقصى عنها حين يُساء التعامل معها.
وهي قادرة، متى توفّر الوعي والإرادة، على استيعاب العلوم والتقنيات والفلسفات المعاصرةز، دون أن تفقد روحها أو أصالتها.
إن الاحتفال الحقيقي بالعربية هو أن نعيد الثقة بها ، وأن نكفّ عن معاملتها كلغة ثانوية في أوطانها ، وأن ندرك أن اللغة التي تتراجع في وعي أبنائها تفقد مستقبلها قبل أن تفقد ماضيها.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتحتدّ فيه المنافسات الثقافية ، تظل العربية ، بما تحمله من جمال وعمق وثراء ، قادرة على أن تكون لغة الحاضر والمستقبل ، لا لأنها لغة الضاد فحسب ، بل لأنها لغة الإنسان، والمعنى، والهوية .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية