تونس 9°C

2 أفريل 2026

تونس 38°C

2 أفريل 2026

حين تلتقي الضفتان: السياسة بوصفها فنّ الاقتراب من النقيض.

بقلم ا.حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليس مألوفًا في عالم السياسة أن يجلس رجلان يمثل كلّ منهما اتجاها فكريا يناقض الآخر جذريًا

ومع ذلك، يحدث أحيانا أن تجبر السياسة أطرافا متباعدة على الجلوس إلى الطاولة نفسها.
ما وقع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعمدة نيويورك زهران ممداني ليس مجرد لقاء بروتوكولي ، إنه حدث يلامس جوهر السياسة الحقيقية : كيف ندير الخلاف بدل أن نتركه يتحول إلى شرخ يعصف بالمشهد العام.
فالسياسة، في جوهرها، ليست تجمعًا للمتشابهين ولا فسحة مريحة للتوافقات السهلة. بل هي المساحة التي يُختبر فيها المختلفون، حيث يتعلم كل طرف أن المجتمع لا يسير في خط واحد ، وأن الحكم ، أيّ حكم لا ينجح إلا بقدرة صاحبه على سماع كل الأصوات، حتى تلك التي تزعجه أو تناقض رؤيته.
حين يوافق طرفان متباعدان على الجلوس وجهًا لوجه، فذلك يعني اعترافًا متبادلا بأن كليهما جزء من المشهد، وأنه لا يمكن لأحدهما إلغاء الآخر. وهذا الاعتراف وحده كفيل بإضعاف خطاب الشيطنة الذي صار وقودًا للانفعالات السريعة. فالاستماع للخصم ليس تنازلًا عن المبادئ، بل ارتقاء بها إلى مستوى يجعلها قادرة على التعايش والصمود في مواجهة الأفكار المنافسة.

إن أخطر ما قد يصيب الحياة العامة ليس صخب الخلاف، بل اعتياد غياب الحوار. حين يتحول الاختلاف إلى عداوة، والانتقاد إلى خيانة، يبدأ المجتمع بالتفتت إلى جزر منفصلة، ويذبل المجال العام تدريجيًا. وهنا بالضبط تبرز أهمية مبادرات كهذه : فهي تمنع الانقسام من التحول إلى قطيعة، وتعيد تذكير الجميع بأن مستقبل أي بلد يُصنع عندما يتحدث أبناؤه، لا عندما يقاطعون بعضهم.

السياسي الذي لا يمدّ جسورًا نحو معارضيه لن ينجح في إدارة دولة معقدة ، ولا في قيادة مدينة كبرى، ولا حتى في فهم المزاج الشعبي المتغير. فنجاح الحكم لا يُقاس بعدد الهتافات المؤيدة، بل بقدرة صاحبه على إدارة شبكة القوى كلها: مؤسسات، معارضة، مجتمع مدني، وجماعات مصالح تتصادم يوميا.

في المحصلة، يبرهن هذا اللقاء أن الحوار بين الخصوم ليس رفاهية ولا بروتوكولًا. إنه ضرورة لحماية المجال العام من الانهيار، ولمواجهة موجات الشعبوية التي تتغذى من التحريض، وتذكير لنا بأن السياسة، حين تُمارَس بوعي ونضج، ليست سوى فن ترتيب الخلاف حتى يبقى المجتمع واقفًا وقادرًا على السير إلى الأمام.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية