بقلم: أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
تعيش تونس اليوم حالة من التعقيد السياسي والاقتصادي تفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها داخليا وخارجيا. ورغم ذلك، ما تزال بعض الأصوات تعمل، عن قصد أو بدونه، على إشعال الفتنة بين الشعبين التونسي والمغربي، مستندة إلى تحريض خارجي أكثر مما تستند إلى معطيات وطنية حقيقية.
هذا الخطاب لا يُسيء فقط إلى العلاقات بين بلدين شقيقين ، بل يتجاهل تاريخا ممتدا من الروابط المتينة والقواسم الثقافية والاجتماعية العميقة التي جعلت من المغرب شريكا طبيعيا لتونس وداعما استراتيجيا طالما وقف إلى جانبها.
لقد أثبت التاريخ أن العلاقات المغاربية الحقيقية تُبنى على التضامن لا التقاطع. فحين تعرضت مدينة قفصة للهجوم الإرهابي سنة 1980، كان الملك الراحل الحسن الثاني أول من بادر بوضع كل إمكانيات بلاده في خدمة أمن تونس واستقرارها.
وفي سنة 2014، جاء الملك محمد السادس إلى تونس في لحظة سياسية دقيقة ، ليؤكد بثقة وبدون رسميات أن تونس بلد آمن وقادر على النهوض ، متجوّلا بين أحيائها بحرية ليبعث رسالة دعم قوية للعالم أجمع .
هذه المواقف ليست مجرد مشاهد من الماضي، بل دروس استراتيجية تُذكّر اليوم بضرورة إحياء روح الحكمة المغاربية ، وإعادة تونس إلى سياسة الحياد الإيجابي التي كانت عنوان قوتها الدبلوماسية لعقود.
فالروابط التي تجمع الشعبين التونسي والمغربي ليست عابرة : إنها روابط ثقافة مشتركة، وتاريخ متقاطع، وتعاون اقتصادي واجتماعي قادر على أن يشكل رافعة تنموية لكلا البلدين.
لقد أثبتت التجربة أن الانخراط في توترات مفتعلة حول ملفات إقليمية أو دولية لم يخدم مصالح تونس ، بل أضر بوزنها وقلّص من قدرتها على التحرك المستقل.
ومع صدور القرار 2797 لمجلس الأمن، الذي وضع حدّا عمليا لما يسمى ” الجمهورية الصحراوية ” و مهد لنهايتها ، بات من الضروري إعادة تقييم العلاقات التونسية – المغربية وفق منطق المصلحة الوطنية لا منطق الاصطفاف.
إن تونس، اليوم أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى شجاعة سياسية تعيد تصحيح المسار الدبلوماسي، وتعيد بناء علاقات متوازنة مع كل دول المنطقة، وفي مقدمتها المغرب الشقيق الذي يمثل ركيزة أساسية في أي تصور استراتيجي لمستقبل منطقة المغرب العربي .
إن الشراكة مع المغرب ليست خيارا تكميليا، بل ضرورة جيوسياسية.
هي مسار حكيم يعيد لتونس موقعها الطبيعي في المنطقة، ويضمن لها القدرة على حماية مصالحها العليا والمضي نحو الاستقرار والازدهار الذي يستحقه شعبها، ويحتاجه الفضاء المغاربي بأسره.



