تونس 23°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

حين تصبح أسباب النزول مفتاح الترجمة: قراءة في ترجمة عبد الحق العزوزي للقرآن الكريم.

بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليس كل حوار تلفزيوني يترك أثراً يتجاوز لحظة البث، لكن الحوار الذي تابعه الملايين على القناة الفرنسية الثانية، ضمن برنامج Les Chemins de la Foi، كان من تلك اللحظات النادرة التي يتحول فيها الحديث إلى تجربة فكرية كاملة. وقد دار هذا اللقاء الرفيع يوم 18 يناير 2026، بين الدكتور عبد الحق العزوزي والصحفي عبد الرحيم حفيظي، في حوار لم يكن مجرد سؤال وجواب، بل حوار حضاري يُعيد للنص موقعه في الزمن، ويعيد للمعنى بريقه في الذهن.
لمشاهدة الحوار كاملاً، يمكن الرجوع إلى الحلقة عبر هذا الرابط:
👉 https://youtu.be/1JVfbenqn74?si=1VeezS8NM5gSngjQ
في بداية هذا الحوار، وجد العزوزي في هذه القولةلاوجين دي لا كروا نبضا ينسجم مع احساسه وتجربته ،فقدمها للمشاهدين كمفتاح يفتح به ابواب ترجمته وتفسيره للكتاب المقدس .
“الجمال هو ثمرة إلهام لا يكلّ , وسلسلة جهد عنيد ، تنضجها المثابرة في صمت حتى يتفتح كسرّ من نور في قلب الزمن”
هذه العبارة لم تكن مجرد اقتباس جميل، بل تفسيراً شعرياً لطبيعة هذا المشروع: ليس حلماً سحرياً يُنضج فجأة، بل نتيجة معاشرة طويلة وممتعة للنص القرآني، كانت فيها القراءة تأملًا، والتأمل بحثًا، والبحث شغفاً، والشغف عملاً متواصلاً.
ما يميّز هذا المشروع، ويمنحه تفرده مقارنة بكل الترجمات السابقة، ليس اتقان المقابل اللغوي فقط، بل المنهج الذي اختاره العزوزي، والذي يجعل من أسباب النزول حجر الأساس في الترجمة والتفسير معاً. فالآية هنا لا تُنقل إلى الفرنسية بمعزل عن سياقها، ولا تُفهم خارج لحظة نزولها. بل تُعاد أولاً إلى سؤالها الأول، إلى واقعها الإنساني، إلى المشهد الذي جاءت لتُجيب عنه، ثم تُفتح على القارئ المعاصر. إن أسباب النزول، في هذا العمل، ليست ملحقاً تفسيرياً، بل المفتاح الذي يفتح المعنى، ويُعيد للنص بُنيته الداخلية، ويمنحه وحدة في الخطاب ومقاصد واضحة.
وبعد أن يجعل أسباب النزول مدخلاً أساسياً، يذهب العزوزي أبعد من ذلك: فهو لا يكتفي بترجمة المعنى، بل يسعى إلى استنباط المقاصد، وإظهار الغايات التي ترمي إليها الآيات والسور. وهذا الاستنباط ليس تأويلاً عشوائياً، بل استنباطٌ منسجم مع روح النص، يعتمد على سياق التنزيل، وعلى مقاصد الشريعة، وعلى ما يمكّن القارئ من إدراك القرآن كمنظومة متكاملة. وبذلك، تتحول الترجمة إلى تفسير يُعيد بناء المعنى، ويكشف عن وحدة القرآن في مقاصده، بدل أن يظل النص مجموعة آيات متفرقة لا رابط بينها.

ومن هنا يتضح أن الشغف الذي حرّك هذا المشروع لم يكن شغف اللغة وحدها، بل شغف إعادة الاعتبار للفهم. فالقارئ المعاصر، الذي قد يلتقي بالقرآن لأول مرة عبر لغة أخرى، لا يحتاج إلى ترجمة حرفية فقط، بل يحتاج إلى ترجمة تفسّر له لماذا نزلت الآية، وكيف يرتبط معناها بسياقها. وبدون هذا السياق، تظل الآية عرضة للاختزال أو التشويه، أو لتغليب قراءة سطحية أو متطرفة، لأنها تُفهم خارج منظومة المقاصد التي نزلت من أجلها.

وفي الحوار، يتضح أن هذا المنهج ليس اختياراً تقنياً بقدر ما هو ثمرة مسار طويل مع القرآن: حفظ مبكر، وتكوين علمي واسع، وتجربة فكرية جعلت صاحبه يدرك أن النص المقدس لا يُخدم بالمبالغة ولا بالاختزال، بل بالتدرج والإنصاف والوفاء. لذلك، لم يكتفِ بتقديم الترجمة، بل رافقها بتفسير واضح، يقسم السور إلى وحدات موضوعية، ويقدم خلاصة لكل سورة، ثم يفتح الآيات على معانيها في ضوء المقاصد، دون أن يثقل القارئ بتفاصيل لا تسهم في الفهم.

بهذا، يتحول المشروع إلى أكثر من ترجمة أو تفسير. إنه حوار بين الحضارات، لا بوصفه شعاراً، بل كواقع ملموس: حوار بين لغة عربية نزل بها الوحي، ولغة فرنسية تحمل تاريخاً فكرياً وإنسانياً ثرياً. إنه حوار بين التنزيل والعالم المعاصر، بين النص والعقل، بين سؤال الإنسان اليوم ونور الكلمة الأولى.

وفي ختام هذا المسار، لا يبقى أمام القارئ إلا أن يُنصت. أن يعود إلى ذلك الحوار التلفزي الذي شاهده الملايين، ليس كمتفرج عابر، بل كمشارك في لحظة وعي. كما أن الرجوع إلى هذا العمل المرجعي لم يعد ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لمن يريد ترجمة تؤسس للفهم، لا تكتفي بالنقل.

إنه عمل يتجاوز الترجمة ليصبح قراءة معاصرة لنص مقدس يتجاوز الزمان والمكان، لأنه يخاطب الإنسان في جوهره، حيثما كان، ومهما اختلفت لغته. ومن هنا، يغدو هذا العمل مشروع حضاري ضخم في ترجمة القرآن الكريم، ليس لأنه قال الكلمة الأخيرة، بل لأنه أعاد فتح باب المعنى على اتساعه… بهدوء، وبشغف، وبـ تعبّد فكري يليق بجلال النص وعظمة الرسالة.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية