بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تبدُ الهدنة التي أعلنتها السلطة السورية في شمال شرق البلاد سوى وقفة تكتيكية في مسار تصعيدي يعيد تشكيل خرائط النفوذ ، ويضع مستقبل الأكراد أمام مفترق مصيري .
فمع تقدّم الجيش السوري في محافظة الحسكة ، وإعلانه وقفًا لإطلاق النار لأربعة أيام ، بدا المشهد أقرب إلى تفاوض تحت وطأة القوة منه إلى تسوية قابلة للحياة ، في منطقة تختزن أخطر تركات ما بعد الحرب : السجون، المخيمات، وملف تنظيم ” داعش ” .
ميدانيا، كشفت مشاهد السجون التي دخلتها القوات الحكومية عن فراغ أمني بالغ الدلالة : أبواب مفتوحة ، زنازين شبه خالية ، وروايات متناقضة بشأن مصير مئات السجناء ، بينهم عناصر من التنظيم المتطرف .
تبادلت دمشق وقوات سوريا الديمقراطية الاتهامات بشأن عمليات الإفراج والفرار، بينما تصاعدت المخاوف من إعادة تنشيط خلايا ” داعش ” في ظل فوضى انتقالية لا تزال ملامحها ضبابية .
وبين أرقام وزارة الداخلية السورية وتقديرات أميركية متباينة، بات واضحًا أن ورقة السجون لم تعد حكرا على القوات الكردية ، بل تحوّلت إلى ملف سيادي بامتياز .
سياسيا ، يتقدّم الاتفاق قيد التفاوض بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بوصفه الإطار الذي يُفترض أن يُحسم من خلاله مستقبل إدارة السجون والمخيمات، وعلى رأسها مخيم الهول. غير أن هذا المسار لم يخلُ من العنف ، إذ تعثّرت المفاوضات وتجددت الاشتباكات، وسط اتهامات متبادلة بقطع المياه وانتهاك المعايير الإنسانية ، ما عمّق الشعور الكردي بالعزلة وأعاد إلى الواجهة هواجس الإقصاء .
في خلفية هذا المشهد المعقّد ، يبرز التحوّل في الموقف الأميركي كعامل حاسم .
فواشنطن ، التي شكّلت لسنوات الداعم الأبرز لقوات سوريا الديمقراطية في الحرب على ” داعش ” ، باتت تميل بوضوح إلى دعم استعادة الدولة السورية لسيادتها الأمنية .
تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ، التي تحدثت صراحة عن انتهاء المهمة الأساسية لقوات سوريا الديمقراطية ، لم تكن توصيفًا ميدانيًا عابرًا، بل إعلانًا سياسيًا عن نهاية مرحلة وبداية أخرى ، عنوانها إدماج الأكراد في بنية السلطة المركزية بدل الرهان على حكم ذاتي موسّع .
هذا التحوّل زاد من مرارة القيادات الكردية ، التي رأت فيه تخلّيًا واضحًا ، رغم إعادة التأكيد الأميركي على وحدة الدولة السورية مقرونًا بخطاب نظري عن حماية حقوق الأكراد .
غير أن الهوّة بين الخطاب والواقع اتسعت ، مع استئناف العمليات العسكرية باتجاه كوباني والحسكة ، وهما مدينتان تختزلان رمزية كبرى في الذاكرة السياسية والوجدانية الكردية .
في المقابل ، استعاد الشارع الكردي لغة التعبئة والمواجهة .
دعوات إلى ” المقاومة ” ، استعدادات شعبية ، وتدفّق مقاتلين متطوعين ، في مشهد يعكس خوفا وجوديا من طيّ صفحة التجربة الكردية في شمال شرق سوريا. إلا أن موازين القوة على الأرض لم تعد كما كانت : انشقاق المكوّن العربي عن قوات سوريا الديمقراطية أفقدها جزءًا مهمًا من ثقلها العسكري والسياسي، وقلّص قدرتها على فرض شروط تفاوضية متقدمة.
أما الهدنة المعلنة ، وما رافقها من وعود بعدم دخول المناطق ذات الغالبية الكردية ، وحديث عن ” اندماج سلمي ” وتشكيل قوات أمن محلية ، فتبقى رهينة ثقة مفقودة وتجارب سابقة مثقلة بالخذلان .
لذلك، ينظر كثير من الأكراد إلى هذه المهلة بوصفها وقتًا إضافيًا لتكريس أمر واقع جديد، لا فرصة حقيقية لإعادة التوازن أو تصحيح المسار.
في المحصلة ، لا يدور الصراع في شمال شرق سوريا حول خطوط تماس عسكرية فحسب ، بل حول سؤال سياسي جوهري: هل يُطوى نهائيًا ملف الحكم الذاتي الكردي لصالح دولة مركزية تستعيد سلطتها كاملة، أم تُفرض صيغة إدماج تحفظ حدّا أدنى من الخصوصية الكردية داخل الدولة ؟ حتى اللحظة ، تميل الكفة بوضوح لمصلحة الخيار الأول ، فيما تبدو الهدنة مجرد فاصلة قصيرة في مسار طويل لم تُكتب خاتمته بعد.

