تونس 23°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

تونس : سؤال المكان في تاريخ السلطة !.

-ابوبكر الصغير.

ليست كل الخرائط و الجغرافيات سواء ، فبعضها يمرّ عبره التاريخ مرورا عابرا و لا حتى يلتفت اليها ، وبعضها الآخر يستوقفه ، يعيد تشكيله ، بل يكاد يفرض عليه مساراته .
تونس من هذا الصنف النادر عالميا ، فهي ليست مجرد رقعة في منطقة شمال إفريقيا ، بل نقطة جذب مستمرة ، اختارتها حضارات متباعدة زمنيا وثقافيا و حتى عقائديا ، لتكون مركزا و وعاصمة للحكم، وكأنها استجابة واعية لنداء خفي في المكان. من قرطاج العظيمة إلى قيروان المجد ، مرورا بالعهد الروماني والبيزنطي ، لا يبدو الأمر سلسلة مصادفات، بل نمطا تاريخيا متكررا يستحق التأمل .
يبدأ هذا النمط من الجغرافيا ، لكن لا ينتهي عندها .
فتونس تقع في نقطة فريدة من البحر الأبيض المتوسط ، حيث يضيق الحوض وتقترب ضفّته الإفريقية من الأوروبية ، خاصة في مواجهة جزيرة صقلية .
هذا القرب ليس مجرد تفصيل جغرافي ، بل هو عامل حاسم جعل من هذه المنطقة معبرًا إلزاميًا للتجارة الدولية ، ومجالا للتفاعل الحضاري ، ونقطة تحكم في طرق الملاحة . من يسيطر على هذه الارض ، لا يملك موقعا او مركزا فحسب ، بل يمسك بخيوط الاتصال بين الشرق والغرب ، بين قارتي أوروبا وإفريقيا ، و بين أهم بحور العالم وعمقه القاري .
غير أن الموقع وحده لا يصنع مركزا للحكم ما لم يقترن بعوامل و إمكانات تدعمه .
توفرت لتونس عناصر نادرة في بيئتها : سواحل صالحة لقيام موانئ طبيعية ، سهول خصبة مقارنة بمحيطها ، وارتباط عضوي بشبكات التجارة الصحراوية القارية ، إضافة إلى سكان لهم ميزة جينية مكنتهم من ذكاء نادر مقارنة ببقية الأمم والشعوب .
هذه الخصائص جعلت من تونس فضاءً قابلًا للاستقرار والإنتاج و كذلك التميز و الابداع ، لا مجرد نقطة عبور فقط .
لذلك حين أسس الفينيقيون مدينة قرطاج ، لم يختاروا مكانا مناسبًا فقط ، بل أسسوا اعظم نموذج لدولة متوسطية تقوم على التجارة والنفوذ البحري ، مستفيدين من توازن نادر بين البحر واليابسة و الأهم طبيعة السكان .
هذا النموذج لم يغب عن الإمبراطورية الرومانية نفسها ، التي أدركت بعد صراع طويل في حروبها البونيقية أن السيطرة على تونس تعني تأمين قلبها الاقتصادي و ضمان الفوز بخيرات بلد عُدّ مطمورة لروما .
لذلك لم تعاملها كمقاطعة عادية ، بل حولتها إلى إفريقيا البروقنصلية ، واحدة من أغنى مناطقها وأكثرها استقرارا .
كانت تونس بالنسبة إلى روما اهم مصدر غذاء شعبها ، ومركزا إداريا متقدما، وامتدادا حضاريا يعكس عظمة الإمبراطورية خارج عاصمتها .
وهذا يفسر كثافة العمران والآثار التي بقيت شاهدة على مكانتها الاستثنائية .
حتى في فترات الانقسام و تراجع النفوذ ، لم تفقد تونس قيمتها .
فقد طمع فيها الوندال بعدهم البيزنطيون للسيطرة عليها ، لا لكونها هدفًا في حد ذاتها، بل لأنها مفتاح لكل ما حولها .
كانت تونس تمثل نقطة ارتكاز تتيح التحكم في غرب المتوسط و مفتاح دخول أفريقيا و بوابة الشرق ، لتأمين خطوط الإمداد ، وفرض النفوذ على شمال إفريقيا وجنوب أوروبا . وكأن من يملكها يضع يده على عقدة استراتيجية لا يمكن تجاوزها .
ومع الفتح الإسلامي ، يتكرر السيناريو و المشهد بصيغة اخرى جديدة . لم يكن وصول العرب إلى هذه المنطقة مجرد عبور نحو الغرب ، بل كان اختيارا للاستقرار وإعادة التأسيس .
قامت القيروان كعاصمة سياسية وعسكرية ، منها انطلقت أعظم الفتوحات الإسلامية ، ثم ظهرت المهدية لاحقا كقاعدة بحرية قوية . هذا التمركز في تونس، رغم الامتداد الجغرافي الواسع للدولة الإسلامية ، يعكس إدراكا عميقا لقيمة الموقع : فهي نقطة وسطى بين المشرق والمغرب، وقاعدة مثالية للانطلاق نحو الأندلس وإفريقيا، ومجال قابل لبناء سلطة مستقرة .
غير أن تفسير هذا الاختيار لا يكتمل دون النظر إلى العامل البشري و هذا الأهم .
فقد أظهرت المجتمعات التي سكنت هذه الأرض قدرة لافتة على التكيف والاستمرارية، وعلى استيعاب الوافدين دون فقدان توازنها . هذا التفاعل بين السكان والسلطة خلق بيئة تسمح بإعادة إنتاج النظام السياسي ، مهما تغيرت القوى الحاكمة .
فالحضارات لم تجد في تونس فقط موقعا مناسبا ، بل وجدت مجتمعًا قادرًا على احتضانها وإعادة تشكيلها.
أما البعد الديني، فيضيف طبقة أخرى من الفهم .
فقد كانت تونس مجالا مبكرًا لانتشار المسيحية في شمال إفريقيا ، ثم أصبحت منطلقًا مهمًا للإسلام في الغرب ، كما تحتضن معبد الغريبة ، أحد أقدم المعالم الدينية اليهودية في العالم .
هذا التراكم لا يعكس مجرد تعاقب ديني و تعدّد و ثراء ، بل يدل على طبيعة منفتحة للمكان ، جعلته فضاءً لتقاطع الأفكار والعقائد، ومركزا للتعايش و لإنتاج المعنى بقدر ما هو مركز لإنتاج السلطة.
في النهاية، لا يبدو أن تونس كانت مجرد اختيار من قبل الحضارات ، بل كأنها فرضت نفسها كخيار لا بديل عنه .
إنها مثال حي على تفاعل الجغرافيا مع الاقتصاد ، والسياسة مع الثقافة ، والإنسان مع المكان، لتنتج ما يمكن تسميته بالقدر الجغرافي.
هنا، على هذه الارض ، في تونس ، في هذه الرقعة الصغيرة نسبيا، لا يمر التاريخ فقط ، بل يعيد ترتيب نفسه ، وكأنه كلما تغيّر الفاعلون ، بقي المكان ثابتا في دوره : عاصمة امبراطورية ، مركز نفوذ عالمي ، ومحور جامع لأمم و شعوب .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية