بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تكن إفريقيا يوما هامشا في السياسة الخارجية المغربية ، غير أن التحول الجوهري الذي شهدته المقاربة المغربية خلال العقود الأخيرة لا يكمن في مبدأ الاهتمام بالقارة ، بل في كيفية إدارة هذا الاهتمام وصياغته .
فقد انتقل المغرب من دبلوماسية تقوم على الحضور السياسي الرمزي إلى استراتيجية متكاملة ، جعلت من بناء الشراكات الاقتصادية ، وتثبيت المصالح المتبادلة ، والعمل الهادئ طويل النفس مع العواصم الإفريقية ركيزة أساسية لإعادة تموقعه داخل القارة .
منذ أواخر تسعينات القرن الماضي ، ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، أعادت الرباط هندسة أدواتها الدبلوماسية الإفريقية .
بدل الرهان على المحاور القارية الكبرى أو الاصطفافات الإيديولوجية ، اختار المغرب نهج الدبلوماسية الثنائية العملية ، عبر تكثيف الزيارات الملكية ، وتوقيع اتفاقيات تعاون شاملة ، وبناء علاقات مباشرة مع كل دولة إفريقية وفق أولوياتها وحاجاتها الخاصة.
هذا التراكم الهادئ مكّن المغرب من تعزيز حضوره الميداني داخل القارة ، مهّد لعودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 في سياق يعكس عمق التحول الذي راكمه ، لا مجرد عودة شكلية بل رجوع مؤسس على بعد نظر و حكمة في قراءة المعطيات الدولية .
شكّلت الدبلوماسية الاقتصادية العمود الفقري لهذا التوجه .
فوفق معطيات البنك الدولي ، بلغت الاستثمارات المغربية في إفريقيا حوالي 7 مليارات دولار بين 2007 و2023، أي ما يقارب 45% من إجمالي الاستثمارات الخارجية للمملكة . وبذلك يحتل المغرب اليوم المرتبة الثانية بين المستثمرين الأفارقة داخل القارة بعد جنوب إفريقيا ، والأولى في غرب إفريقيا ، وهو موقع لم يكن ليتحقق دون اشتغال دبلوماسي ممنهج هيّأ الأرضية السياسية والمؤسساتية أمام الفاعلين الاقتصاديين المغاربة .
تبرز في هذا الإطار المجموعات البنكية المغربية ، وعلى رأسها التجاري وفا بنك ، التي توسّعت في عدد مهم من الدول الإفريقية بدعم سياسي ودبلوماسي واضح ، قائم على بناء الثقة مع الحكومات والبنوك المركزية والمؤسسات المحلية .
لم يقتصر هذا الحضور على النشاط المالي البحت ، بل ساهم في تمويل المشاريع الكبرى ، وتعزيز الاندماج المالي ، وربط الاقتصادات الإفريقية بالمنظومة المصرفية الدولية ، ضمن رؤية تتجاوز منطق الربح السريع إلى بناء شراكات مستدامة.
في السياق ذاته ، شكّل المكتب الشريف للفوسفاط أحد أبرز الأذرع غير المباشرة للدبلوماسية المغربية في إفريقيا . فمن خلال مشاريع زراعية وصناعية ، وشراكات استراتيجية في مجال الأسمدة والأمن الغذائي ، ساهمت المجموعة في نقل الخبرة ، وتثمين الموارد المحلية ، وتعزيز السيادة الغذائية لعدد من الدول الإفريقية .
هذا الحضور عزّز صورة المغرب كشريك تنموي موثوق ، لا كفاعل تجاري ظرفي ، وهو رصيد دبلوماسي بالغ الأهمية في قارة ما تزال تبحث عن نماذج تعاون متكافئة .
على مستوى الربط والتموقع الجغرافي ، عملت الدبلوماسية المغربية على تثبيت موقع البلاد كمحور إقليمي .
فالخطوط الملكية المغربية ، التي تشغّل 82 وجهة في 41 بلدا، من بينها 24 وجهة إفريقية ، لم تكن مجرد مشروع تجاري ، بل أداة ربط سياسي واقتصادي بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين عبر الدار البيضاء .
يعزّز هذا الدور ما حققه ميناء طنجة المتوسط ، الذي عالج سنة 2024 أكثر من 10.2 ملايين حاوية ، ما كرّس موقع المغرب كبوابة لوجستية استراتيجية تخدم التجارة الإفريقية والعالمية.
أما على الصعيد الأمني ، فقد اعتمد المغرب مقاربة تقوم على بناء القدرات بدل استعراض القوة.
ففي سنة 2024، استفاد نحو 1500 ضابط أجنبي ، غالبيتهم من دول إفريقية ، من برامج تكوين عسكري بالمغرب .
هذا النوع من التعاون، الذي يتم بعيدًا عن الأضواء ، يُعدّ استثمارا استراتيجيا في العلاقات طويلة الأمد ، ويُنتج شبكات ثقة وألفة مؤسسية يصعب تعويضها بالدبلوماسية الخطابية .
يكتمل هذا الحضور الدبلوماسي ببعد إنساني واجتماعي متنامٍ .
فقد تحوّل المغرب إلى فضاء للاستقرار والدراسة والعمل لعشرات الآلاف من الأفارقة ، إذ تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن عدد المقيمين الأجانب بلغ سنة 2024 أكثر من 148 ألف شخص، من بينهم نحو 60 ألفا من إفريقيا جنوب الصحراء.
هذه الدينامية تعكس تحوّل المغرب إلى مركز إقليمي للحركة والتبادل البشري ، وتضفي على حضوره الإفريقي بعدا مجتمعيا لا يقل أهمية عن الاقتصاد والسياسة.
في المحصلة، لا تقوم السياسة الإفريقية للمغرب على خطاب ” العودة ” أو استعادة موقع ضائع ، بل على دبلوماسية تراكمية نجحت في تحويل الجغرافيا إلى شراكة ، والروابط التاريخية إلى مصالح ملموسة .
إنها دبلوماسية ترفض الصدام ، وتراهن على الاشتغال الهادئ، ولا تبحث عن مكاسب آنية ، بل عن ترسيخ حضور طويل الأمد داخل قارة تتجه أكثر من أي وقت مضى ، لتكون أحد مفاتيح النظام الدولي الجديد .

