-ابوبكر الصغير.
تتكاثر الشقوق وتتسارع التحولات، لكن يظلّ الخليج العربي أكثر من مجرد جغرافيا نفطية أو ممرات بحرية استراتيجية ، إنّه أما و قلبٌ نابضٌ للاقتصاد العربي ، وركيزةُ التوازن السياسي في فضاء تتقاذفه الأزمات .
ليس مبالغة القول إن أمن الخليج ليس شأنا محليا لدوله الست فقط ، بل هو معادلة مصيرية تختصر أمن كل الأمة العربية.
ففي استقرار الخليج تستقر العواصم العربية ، وفي ازدهاره تتنفس اقتصادات المنطقة ، وفي رخائه تجد كل الشعوب العربية أملا في مستقبل أقلّ هشاشة .
لقد أثبتت التجارب ، من الحروب الإقليمية إلى أزمات الطاقة العالمية ، أن أيّ اهتزاز في الخليج لا يبقى محصورا في حدوده ، بل يمتدّ كزلزال صامت إلى عمق العالم العربي ، يربك أسواقه، ويضعف استقراره ، ويُعيد ترتيب أولوياته تحت ضغط الضرورة لا منطق الاختيار . فكيف إذا كان هذا الخليج نفسه هدفا مباشرا لتهديدات مركّبة ، تتراوح بين الصواريخ الدقيقة ، والطائرات المسيّرة ، والهجمات السيبرانية ، وصولا للتآمر ، و دسّ الخلايا النائمة و محاولات اختراق المجالين السياسي والإعلامي ؟.
أمام كل هذه التحديات المتسارعة ، لم يعد التردد خيارا ، ولم تعد الحلول التقليدية كافية .
الضرورة الجيو – سياسية تفرض على دول الخليج الانتقال من منطق التنسيق إلى منطق الاندماج ، ومن ردّ الفعل إلى صناعة الفعل .
إن تسريع وتيرة التكامل العسكري بين دول مجلس التعاون لم يعد ترفا استراتيجيا ، بل هو شرطٌ وجودي لتشكيل منظومة ردع ذاتي قادرة على حماية السيادة وصون الاستقرار . فالأمن لا يُستورد جاهزا ، ولا يُبنى على ضماناتٍ خارجية مهما بلغت قوتها ، بل يُصاغ من الداخل بإرادة سياسية موحّدة ورؤية دفاعية مشتركة .
وفي قلب هذا التحول ، تبرز الحاجة إلى بناء قدرات تكنولوجية متقدمة ، تجعل من الخليج فاعلا لا مفعولا به في معادلة الأمن الحديثة . فالحروب لم تعد تُخاض فقط على الأرض ، بل في الفضاء الرقمي ، وعبر خوارزميات قادرة على شلّ البنى التحتية دون إطلاق رصاصة واحدة .
ومن هنا ، فإن الاستثمار في الدفاعات السيبرانية، وتطوير أنظمة مواجهة الطائرات المسيّرة ، لم يعد خيارا تقنيا بل ضرورة سيادية .
غير أن القوة الصلبة لم تعد وحدها تكفي . فالدبلوماسية الخليجية ، التي أثبتت في محطات عديدة قدرتها على التوازن والانفتاح ، مطالبة اليوم بأن تكون أكثر مرونة وتعددا في شراكاتها ، دون أن تفقد بوصلتها الاستراتيجية . عالم اليوم لا يحترم إلا الكيانات القادرة على حماية نفسها ، والتفاوض من موقع قوة، وصياغة تحالفاتها وفق مصالحها لا وفق إملاءات الآخرين .
لقد كشفت المعطيات الراهنة بوضوح تام لا لبس فيه ، أن الاعتماد الحصري على المظلات الأمنية الخارجية لم يعد كافيا لضمان الاستقرار طويل الأمد .
وهذا لا يعني القطيعة مع الشركاء الدوليين ، بل إعادة تعريف العلاقة معهم من موقع الندية ، وبما يخدم أولاً المصالح السيادية لدول الخليج .
إن بناء هندسة أمنية إقليمية جديدة لم يعد خيارا نظريا ، بل واجبٌ استراتيجي يفرضه منطق البقاء في عالم لا يعترف بالفراغ . والخليج، بما يمتلكه اليوم من موارد ، ورؤية، وخبرة في إدارة التوازنات ، قادرٌ على أن يتحول من ساحة للتجاذبات إلى قطب صانع للاستقرار .
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح : من يراهن على استقرار الخليج ، يراهن على استقرار العالم العربي بأسره .
ومن يستثمر في أمنه ، إنما يستثمر في مستقبل أمة بكاملها تبحث عن نقطة ارتكاز تعيد إليها توازنها وثقتها بنفسها .
فليكن الخليج كما كان دائما … صمّام الأمان ، وبوصلة الأمل,


