تونس 23°C

21 أفريل 2026

تونس 38°C

21 أفريل 2026

تهجير غزة : حين يتحوّل الحصار إلى مشروع ترحيل جماعي ممنهج !.

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في تطوّر خطير لم يعد يحيط به أي غموض، أسقطت حكومة بنيامين نتنياهو آخر الأقنعة عن نواياها تجاه سكان قطاع غزة.
بعد شهور من الحرب والدمار والتجويع المتعمد، تتكشّف ملامح مشروع واضح لتفريغ القطاع من أهله، تحت عناوين مضللة مثل ” المدينة الإنسانية ” أو ” الهجرة الطوعية ” .
منذ السابع من أكتوبر 2023، تاريخ هجوم حماس ، شرع اليمين الإسرائيلي المتطرف في الترويج العلني لفكرة ” غزة دون فلسطينيين ” ، وهي أطروحة كانت، حتى وقت قريب، تُعدّ تطرفا غير قابل للتنفيذ. إلا أن الحرب الشاملة، والعقاب الجماعي، والحصار المقصود للغذاء والماء والدواء، حوّلت هذا الخيال الإيديولوجي إلى خطة سياسية يجري تسويقها داخل المؤسسات الإسرائيلية.
في 7 يوليو، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، عن إقامة ما سمّاه ” مدينة إنسانية ” على أنقاض رفح، جنوبي القطاع، لإيواء نحو 600 ألف فلسطيني.
لكنها ” مدينة ” بمخرج واحد : الرحيل إلى خارج غزة. خطوة وصفت بأنها أول تطبيق عملي لخطة ترحيل مغلّفة بخطاب ” الرحمة ” ، لكنها في جوهرها لا تختلف عن التهجير القسري الذي يحرّمه القانون الدولي.
ترافق هذا الإعلان مع حملة دعائية قادتها وزيرة الابتكار، جيلا غامليئيل، التي نشرت على منصة ” إكس ” صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي لغزة بلا سكان، مؤكدة تأييدها لما تسميه ” الهجرة الطوعية ” منذ بداية الحرب. في اليوم ذاته، استضاف الكنيست مؤتمرا بعنوان ” ريفييرا غزة : من الحلم إلى الواقع ” ، دعا خلاله وزير الاقتصاد، بتسلئيل سموتريتش، إلى ضمّ أمني للقطاع وتحويله إلى منطقة استيطانية مزدهرة تضم جامعات وفنادق ومشاريع تكنولوجية.
ما كان يقال همسا في أوساط المستوطنين أصبح اليوم يُعلَن تحت قبة البرلمان الإسرائيلي.
ووفق استطلاعات نُشرت منذ مايو، فإن ما بين 70 و80% من المواطنين اليهود يؤيدون ترحيل سكان غزة، حتى وإن بدا التنفيذ صعبا.
ورغم هذا الإجماع المتصاعد، ظهرت بعض الاعتراضات الخجولة من داخل إسرائيل نفسها. ففي 10 يوليو، وجّه 16 خبيرا في القانون الدولي رسالة مفتوحة حذّروا فيها من أن الخطة تُعدّ ” غير قانونية بشكل واضح ” ، واعتبروا أن إقامة معسكرات تجميع بهذا الشكل لا تمثل إجلاء شرعيا بل ترقى إلى ” تطهير عرقي ” . أما رئيس الوزراء الأسبق، إيهود أولمرت، فقد ذهب أبعد من ذلك، واصفًا ” المدينة الإنسانية ” بأنها أشبه بـ ” معسكر اعتقال ” ، في تصريحات أدلى بها لصحيفة الغارديان.
ورغم هذه التحذيرات، يواصل نتنياهو الدفع باتجاه دراسة جدوى المشروع، معارضًا أي خطط بديلة يعتبرها مكلفة. وخلال زيارته الأخيرة لواشنطن، جدّد دعمه لما وصفه بـ ” الرؤية اللامعة ” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتحويل غزة إلى وجهة سياحية بعد إفراغها من سكانها، مؤكدًا أن ” عدة دول ” ، لم يسمها أبدت استعدادها لاستقبال المهجّرين.
إلا أن هذه الأوهام تصطدم برفض حاسم من دول الجوار، وعلى رأسها مصر، التي أعلنت رفضها القاطع للعب هذا الدور.
وفي ظل هذا الرفض، توجّه رئيس جهاز ” الموساد ” إلى واشنطن في محاولة لإقناع دول مثل إندونيسيا، ليبيا، وإثيوبيا باستقبال لاجئين من غزة، في مسعى لإضفاء غطاء دولي على مشروع لا يمكن وصفه إلا بأنه تهجير جماعي قسري.
المفارقة أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إييال زامير، أبدى تحفظه على الخطة، مشيرا إلى أن تنفيذها ليس من مهام الجيش وقد تتجاوز كلفتها 15 مليار شيكل. ومع ذلك، يرى بعض المسؤولين في الحكومة أنها ” خطة مكمّلة ” للحرب، تهدف إلى فصل حماس عن الحاضنة الشعبية، وتفكيك أي بُنية مجتمعية باقية في القطاع.
لكن الحقيقة على الأرض، كما يراها المحامي المدافع عن حقوق الفلسطينيين، مايكل سفارد، أكثر قسوة. إذ يعتبر أن ما يحدث هو ” ترحيل يعقبه تهجير قسري ” ، وأنه لا حاجة لاستخدام السلاح لإجبار الناس على الصعود إلى الشاحنات، فحرمانهم من الماء والغذاء والدواء، وهدم منازلهم، كافٍ لاعتبار الفعل جريمة حرب.
ويؤكد أن ” الحديث عن هجرة طوعية محض كذب. في غزة، لا وجود للخيار. الناس محاصرون بين نار الحرب ومجهول التهجير ” .
بهذا، يتحوّل الحصار من أداة ضغط إلى وسيلة تفريغ ممنهجة، ومن سياسة عقابية إلى مشروع سياسي متكامل، في ظل صمت دولي مطبق وتواطؤ بعض القوى الكبرى. ويبقى الفلسطينيون، كالعادة، وحدهم في مواجهة قدر مفروض : أكثر من مليوني إنسان محاصرون بين ركام المدن ووعود التهجير… بلا خيار، ولا صوت.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية