بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في زمن تحوّلت فيه ” الحقيقة ” إلى سلعة، يُقاس وزنها بعدد المشاهدات، وتُعيد الخوارزميات تشكيلها بحسب معدلات التفاعل، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت مصانع ضخمة لإنتاج الوعي الزائف، وإعادة هندسة الإدراك الجمعي بما يخدم مصالح خفية، لا تخلو من التوجيه والمضاربة.
فمن فضاء حرّ للتعبير وتكريس التنوع، تحوّلت هذه المنصات إلى ميادين مفتوحة لترويج الأكاذيب، وتأجيج الانفعالات، وصناعة الأوهام تحت لافتة الحرية وبذريعة ” التفاعل ” .
لقد سقطت الحواجز بين المرسل والمتلقي، بين المتخصص والدخيل، وأصبح كل من يملك جهاز هاتف متصل بالإنترنت، يعتبر نفسه مصدرًا للخبر وصانعا لمحتوى و للرأي، دون أي التزام بمعايير التثبت أو المسؤولية.
وهكذا ضاعت الحدود بين الرأي والمعلومة، وبين الحقيقة والدعاية. وانتشرت حسابات وهمية، وأسماء مستعارة، ومنشورات تلهب الغرائز وتغيب عنها أدنى درجات المهنية.
أخطر من ذلك، أن كثيرين باتوا يستخدمون هذه الأدوات لتسويق خطاب مشوّه، تارة باسم الوطنية، وتارة تحت راية الدفاع عن المظلومين، وفي كثير من الأحيان لتصفية الحسابات أو تمرير أجندات محددة.
لقد أصبحنا إزاء مشهد إعلامي مضطرب، تلعب فيه ” الترندات ” دور البوصلة، ويُكافأ فيه الزيف طالما كان مثيرا، ويُقصى فيه الصدق لأنه لا يحقق التفاعل .
لقد اختُزلت المعرفة إلى محتوى سريع الاستهلاك، وسُلّعت الحقيقة ضمن سوق تتنافس فيه المنصات على الإثارة والانقسام.
تتفاقم خطورة هذا المشهد بفعل هشاشة الوعي الجمعي، الذي سبق وأن وصفه غوستاف لوبون بأنه منقاد بالعاطفة والتكرار أكثر من انحيازه للمنطق.
اليوم، نرى بأم أعيننا كيف تُبتلع الأكاذيب إذا ما قيلت بثقة، وتكررت على منصات تحرّكها خوارزميات لا تميز بين الحق والباطل، بل تكافئ ما يثير الانفعالات.
لكن في مواجهة هذا التيار الجارف، لا يكفي أن نقف موقف المتفرج أو الضحية. ما نحتاجه هو وعي مضاد، ينهض على المسؤولية، والتحقق، والتفكير النقدي.
فالمعركة اليوم لم تعد فقط معركة صحافيين ضد الأخبار الكاذبة، بل معركة كل فرد ضد تسطيح الفكر وتشويه الوعي. وأبسط فعل كإعادة مشاركة منشور كاذب، أو تفاعل عاطفي مع معلومة غير موثقة، قد يرسّخ الكذب ويخدع الآلاف وربما الملايين.
الوعي النقدي هو خط الدفاع الأول. أن نُدرك أن عدد الإعجابات لا يمنح المعلومة مصداقية، وأن التفاعل لا يعني الحقيقة، وأن الشهرة ليست مرادفا للقيمة. لا بد من إعادة الاعتبار لثقافة التحقق، لا كترف نخبوي، بل كضرورة وجودية تحفظ المجتمعات من الانزلاق نحو اختيارات كارثية.
المطلوب اليوم عقلية مقاومة رقمية، لا تكتفي بعدم المشاركة في الزيف، بل تبادر للتصحيح، وتساهم في خلق خطاب بديل، عاقل ومتزن.
مقاومة تبدأ بالفرد، لكنها لا تكتمل إلا بشراكة مجتمعية تضم الإعلام الجاد، والمنصات الرقمية المسؤولة، والمجتمع المدني، وكل من يرى في الحقيقة قيمة عليا لا يمكن التفريط فيها.
نحن نعيش لحظة فارقة : لم يعد الكذب يخجل من نفسه، بل يُسوّق كمنتج محترف، يُباع ويُروّج له كحقائق لا تُناقش.
فيما تبقى الحقيقة هشّة، تكافح للبقاء وسط ضجيج الاصطناع والتلاعب.
لذا، فإن معركة الوعي اليوم ليست ترفا فكريا، بل معركة بقاء : إما أن نخوضها، أو نترك تشكيل وعينا لجحافل من ” المؤثرين ” و ” المحتوى المدعوم او المموّل “!.
فالحقيقة لا تُمنح، بل تُنتزع. ومقاومة زيف الوعي ليست خيارًا، بل واجب أخلاقي يحمينا من الانهيار البطيء تحت ركام الوهم.



