38°C تونس
08/11/2026
ترامب وإيران … حين تصبح الحرب محاولة للهروب من الهزيمة السياسية .
الافتتاحية

ترامب وإيران … حين تصبح الحرب محاولة للهروب من الهزيمة السياسية .

نوفمبر 8, 2026

بقلم أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم تعد احتمالات تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرتبطة حصرا بالخلافات المزمنة حول البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي لطهران ، بل أصبحت تتداخل بصورة متزايدة مع حسابات السياسة الداخلية الأمريكية ، ومع طبيعة الشخصية السياسية لدونالد ترامب ، الذي جعل من استعراض القوة وفرض الإرادة الأمريكية ركيزة أساسية في خطابه ومشروعه السياسي .
وعندما تتراكم الإخفاقات وتتراجع القدرة على تسويق الانتصارات ، يصبح التصعيد العسكري أحد الخيارات التي قد تستحضرها القيادة السياسية لاستعادة المبادرة وتجنب الظهور بمظهر الطرف الذي أخفق في تحقيق أهدافه .
يجد ترامب نفسه اليوم أمام معادلة استراتيجية شديدة التعقيد .
فالمواجهة مع إيران ، على الرغم مما أظهرته من تفوق عسكري أمريكي واضح ، لم تفض بالضرورة إلى النتيجة السياسية التي راهنت عليها واشنطن .
لقد تعرضت طهران لخسائر وضغوط كبيرة، لكن ذلك لم يتحول إلى استسلام سياسي، ولم يدفع النظام الإيراني إلى تقديم التنازلات الجوهرية التي كانت الإدارة الأمريكية تنتظرها . فالملفات الأكثر حساسية لا تزال تمثل عناصر قوة ومساومة في يد طهران ، من البرنامج النووي والقدرات الصاروخية إلى شبكة نفوذها الإقليمي وأوراق الضغط الجيو – سياسية التي راكمتها على مدى عقود .
وتبرز أهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أكثر عناصر المعادلة حساسية وخطورة .
فهذا الممر البحري ليس مجرد نقطة عبور للسفن ، بل شريان استراتيجي للاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة ، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه يمكن أن يتحول إلى أزمة دولية تتجاوز حدود المواجهة الأمريكية الإيرانية . ومن هنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى : قد تتعرض دولة لتدمير جزء من قدراتها العسكرية، لكنها تحتفظ بأدوات جيوسياسية تجعل إخضاعها سياسياً أكثر صعوبة من هزيمتها ميدانيا .
وهذا ما يكشف حدود الرهان الأمريكي على القوة العسكرية وحدها . فالتفوق في السلاح والتكنولوجيا والقدرة على تنفيذ الضربات لا يعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية، أو تغيير سلوك الخصم ، أو تفكيك مصادر قوته الاستراتيجية.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تُقاس فقط بحجم الأهداف التي تُدمّر، وإنما بمدى القدرة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية مستدامة .
وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن واشنطن تواجه فجوة واضحة بين ما تستطيع تحقيقه عسكرياً وما يمكنها انتزاعه سياسيا .
غير أن مأزق ترامب لا يتوقف عند حدود الشرق الأوسط .
فالضغوط الداخلية ، وما أفرزته الانتخابات الأمريكية الأخيرة من مؤشرات على تبدل موازين القوى وتراجع هامش المناورة أمام إدارته، تضيف بعداً جديداً إلى الأزمة .
فالرئيس الأمريكي يجد نفسه أمام جبهتين متداخلتين : جبهة خارجية لم يتمكن فيها ، حتى الآن ، من تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي حاسم ، وجبهة داخلية تتزايد فيها قدرة خصومه على مساءلة سياساته واستثمار تعثراته للحد من نفوذه .
وتكتسب المرحلة الانتقالية التي تسبق مباشرة انعقاد الكونغرس الجديد أهمية خاصة في هذا السياق ، إذ قد تشهد تغيراً في موازين التأثير والرقابة على القرارات التنفيذية، بما يفرض قيوداً إضافية على خيارات البيت الأبيض. وكلما اقترب موعد تغير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية ، ازدادت حساسية التوقيت بالنسبة إلى ترامب، خصوصا إذا وجد أن الملف الإيراني يتحول إلى نقطة ضعف سياسية يستثمرها خصومه في الداخل .
ومن هنا تبرز فرضية التصعيد باعتباره محاولة لاستعادة زمام المبادرة قبل أن تضيق المساحة السياسية المتاحة أمام الرئيس الأمريكي .
فترامب الذي بنى صورته على الحسم والتهديد والقدرة على فرض الوقائع ، قد يجد صعوبة في تقبل نهاية مواجهة تحتفظ فيها إيران بأهم أوراقها ، بينما تبدو الولايات المتحدة عاجزة عن انتزاع التسوية التي أعلنت أنها تسعى إليها .
وقد يصبح تحقيق إنجاز عسكري جديد، في هذه الحالة، وسيلة لإعادة ترميم صورة القوة الأمريكية، وإعادة توجيه النقاش الداخلي بعيداً عن الإخفاقات السياسية .
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن قرار الحرب قد يكون أسهل بكثير من تحديد نهايتها . فالضربات العسكرية ، مهما بلغت دقتها وقوتها، لا تضمن القضاء على القدرات الإيرانية ، ولا تفكيك شبكات النفوذ ، ولا إلغاء أوراق الضغط التي تمتلكها طهران .
كما أن أي تصعيد جديد قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والأمنية، وتصبح فيها خطوط التصعيد والتراجع أكثر صعوبة في التحكم .
وقد تجد واشنطن نفسها أمام أزمة تتجاوز حساباتها الأولية ، خصوصا إذا انعكست المواجهة على أمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية. فإيران، حتى وهي تعاني اختلالاً واضحاً في موازين القوة، تستطيع أن تجعل كلفة الحرب مرتفعة على خصومها وعلى شركائهم، وهو ما يمنحها قدرة على إطالة أمد الأزمة وتحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى عبء استراتيجي إذا لم يقترن برؤية سياسية واضحة .
وهنا تبرز مفارقة أخرى لا تقل أهمية : هل سيكون التصعيد الجديد دليلاً على استعادة الردع الأمريكي ، أم اعترافاً ضمنياً بأن الجولة السابقة لم تحقق أهدافها ؟ وهل تستطيع واشنطن أن تخوض مواجهة ثانية وتخرج منها بنتيجة أفضل، أم أنها ستجد نفسها أمام المعادلة ذاتها، حيث تتسع الفجوة بين حجم القوة المستخدمة والنتائج السياسية المتحققة ؟.
إن السؤال الأهم لم يعد فقط ما إذا كان ترامب سيأمر بضربة عسكرية جديدة ضد إيران ، بل لماذا قد يتخذ هذا القرار، وفي أي توقيت ، وبأي أهداف ، والأهم من ذلك : هل يمتلك تصوراً واقعياً لما سيحدث في اليوم التالي ؟ فحين تتقاطع حسابات الهيبة الشخصية مع ضرورات الردع الاستراتيجي وضغوط الداخل الأمريكي، تصبح القرارات العسكرية أكثر عرضة للتأثر بالمزاج السياسي، وأقل ضماناً للخضوع لحسابات المصالح البعيدة المدى .
قد لا يرغب ترامب في تسجيل انتكاسة جديدة في سجله السياسي، وقد يسعى إلى منع خصومه من تحويل التعثر الإيراني إلى عنوان لفشل إدارته. لكن ثمة حقيقة لا يمكن للقوة العسكرية أن تلغيها: ليس كل تصعيد انتصاراً، وليس كل ضربة حاسمة في الميدان قادرة على حسم معركة السياسة .
فالدول العظمى لا تُقاس قوتها بعدد الصواريخ التي تطلقها، ولا بحجم الدمار الذي تستطيع إحداثه، بل بقدرتها على إدارة القوة وتحويلها إلى استقرار ومكاسب استراتيجية قابلة للاستمرار. وبين واشنطن التي تريد استعادة هيبتها ، وطهران التي تسعى إلى الاحتفاظ بأوراق بقائها ومساومتها، تقف المنطقة أمام منعطف بالغ الخطورة .
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية إلى أداة لإنقاذ صورة سياسية متعثرة. فحين يصبح قرار الحرب محكوماً بالخوف من الاعتراف بالهزيمة ، لا بالرؤية الواضحة لمعنى النصر ، فإن العالم لا يكون أمام حرب محسوبة النتائج ، بل أمام مغامرة قد يدفع الجميع ثمنها .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *