بقلم ا.حذامي محجوب ( رئيس التحرير)
لا يمكن مقاربة الأسلوب الاتصالي للرئيس الامريكي دونالد ترامب من زاوية الانطباع أو الموقف المسبق ، بل من خلال معطيات رقمية صلبة صادرة عن البيت الأبيض نفسه.
فحين تكشف الإحصاءات الرسمية أن الرئيس الأميركي نطق منذ عودته إلى السلطة بما مجموعه 2.4 مليون كلمة أمام الصحافيين ، فإننا لا نكون إزاء رقم قياسي فحسب ، بل أمام ظاهرة سياسية متكاملة تستوجب التفكيك والتحليل. فالكثافة هنا ليست عرضا جانبيا، بل جزء أصيل من المعنى ومن آلية الحكم.
هذه الملايين من الكلمات لم تُصرف في خطب احتفالية أو نصوص معدّة سلفا، بل جاءت عبر ما لا يقل عن 433 مناسبة صحافية مفتوحة ، تنوّعت بين مؤتمرات رسمية ، ولقاءات غير رسمية ، وتصريحات مرتجلة على درج الطائرة الرئاسية أو قرب المروحية ، وصولا إلى اجتماعات عُقدت على متن الطائرة نفسها.
تشير الأرقام إلى مشاركة ترامب في 156 لقاءً صحافيا غير رسمي، و13 مؤتمرا صحافيا، و41 اجتماعا على متن الطائرة الرئاسية، خلال الفترة الممتدة من 20 يناير إلى 8 ديسمبر من العام الجاري. هذا الحضور الاتصالي الكثيف لا يمكن فصله عن رؤية للحكم تعتبر الإعلام امتدادا مباشرا للسلطة التنفيذية ، لا مجرد وسيط بينها وبين الرأي العام.
من هذا المنظور، يتحوّل الكلام إلى أداة سياسية بامتياز .
فترامب لا يكثر من الحديث استجابة لإكراه اللحظة، بل لأنه يختار أن يحكم بالصوت العالي وبالوجود الدائم في المشهد الإعلامي .
فالإغراق في الكلام ليس سلوكًا عفويًا أو نزوة شخصية، بل تكتيك محسوب يهدف إلى السيطرة على جدول الأعمال العام، واحتلال الفضاء الإخباري، وإبقاء الخصوم في موقع رد الفعل الدائم.
تظهر الإحصاءات نفسها أن 128 من هذه اللقاءات جاءت في صيغة غير رسمية ، حيث أجاب ترامب عن أسئلة محدودة أثناء توقيع أوامر تنفيذية أو خلال اجتماعات مغلقة.
في هذا الحيّز الرمادي، لا نكون أمام مؤتمر صحافي مكتمل الشروط ، ولا أمام تصريح عابر، بل أمام منطقة مريحة للسلطة تسمح بتوجيه الرسائل السياسية من دون الخضوع الصارم لقواعد المحاسبة الإعلامية أو ضغط الأسئلة المتابعة.
أما المقارنة بين حجم كلام ترامب وأعمال أدبية كبرى من ” الحرب والسلام ” لتولستوي إلى سلسلة ” هاري بوتر ” فهي ليست مجرد مفارقة رقمية طريفة، بل مؤشر على فيض لغوي يغمر الحدث السياسي بسيل متواصل من التصريحات. وحين يتجاوز الخطاب حجم الفعل، يصبح الكلام ذاته أداة إدارة، وربما أداة إخفاء، بقدر ما هو أداة كشف وتوضيح.
في هذا السياق، يُعاد تشكيل العلاقة بين الحاكم والإعلام . فبدل أن يكون الصحافي هو من يلاحق المعلومة ، يجد نفسه جزءا من مسرح دائم تُضبط إيقاعاته ونبرته وحدوده من قِبل الرئيس نفسه.
تطرح الأسئلة، نعم، لكن ميزان القوة يبقى راجحًا لصالح من يتكلم أكثر، ومن يمتلك القدرة على تحويل كل لحظة عابرة إلى حدث إخباري.
غير أن هذا الأسلوب، رغم ما يتيحه من حضور وهيمنة ، يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة الحكم ذاته.
فالكثافة الاتصالية قد تصنع وهم الشفافية، لكنها لا تعني بالضرورة وضوح الرؤية أو عمق السياسات. بل إن الإفراط في الكلام قد يحجب بقدر ما يوضح، ويُربك بقدر ما يُقنع .
هكذا، لا يبدو ترامب رئيسًا يستخدم الإعلام بقدر ما يبدو رئيسا يحكم من خلاله.
فالكلام عنده ليس ملحقًا بالسلطة، بل أحد أعمدتها الأساسية.
ومن خلال الأرقام ، قبل الانطباعات، تتكشف ملامح أسلوب حكم يقوم على الصوت، وعلى الحضور المتواصل، وعلى تحويل السياسة إلى حدث إعلامي دائم.


