تونس 27°C

16 جوان 2026

تونس 38°C

16 جوان 2026

بين التهدئة وإعادة التموضع : ماذا تخفي التفاهمات الأمريكية الإيرانية ؟ .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لاتبدو التفاهمات التي هي بصدد التشكل بين واشنطن وطهران مجرد محطة عابرة في تاريخ طويل من التوتر والصدام ، بل تحمل في طياتها مؤشرات على تحول أعمق في طريقة إدارة الصراعات داخل الشرق الأوسط.
فبعد عقود من العقوبات والتهديدات المتبادلة وحروب النفوذ غير المباشرة ، يبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة بأن كلفة المواجهة المفتوحة باتت تفوق كلفة التسويات المرحلية.
غير أن اختزال أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران في صورة “ منتصر ” و” مهزوم ” يبقى قراءة سطحية لطبيعة العلاقات الدولية .
فالسياسة لا تُدار دائمًا بمنطق الانتصارات الكاملة والهزائم المطلقة ، بل بمنطق المصالح وحسابات القوة وإعادة توزيع الأدوار .
ومن هذا المنطلق ، فإن أي تفاهم قادم لن يكون نهاية للصراع بقدر ما سيكون محاولة لإعادة تنظيمه وضبط إيقاعه .
فالولايات المتحدة ، التي خاضت خلال السنوات الماضية تجارب مكلفة في المنطقة ، تبدو أكثر ميلا إلى تقليص حضورها المباشر في أزمات الشرق الأوسط ، والتركيز على ملفات استراتيجية تعتبرها أكثر إلحاحا ، وعلى رأسها المنافسة الكبرى مع الصين والتوترات مع روسيا .
وفي المقابل ، تدرك إيران أن الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية تفرض عليها البحث عن مساحات للمناورة ، تسمح لها بالحفاظ على تماسكها الداخلي واستمرار نفوذها الإقليمي .
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران ، بل بموقع العالم العربي في خريطة التحولات الجديدة .
فالتاريخ يؤكد أن الاتفاقات الكبرى بين القوى الدولية والإقليمية لا تبقى محصورة بين أطرافها ، بل تمتد آثارها لتعيد تشكيل موازين القوة وترسم حدود النفوذ ، وقد تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية لا تكون كل الأطراف المعنية شريكة كاملة في صياغتها .
ومن هنا تبرز أهمية التحولات التي تشهدها المنطقة العربية ، حيث تتزايد القناعة لدى العديد من الدول بأن زمن انتظار التفاهمات الخارجية قد انتهى ، وأن حماية المصالح الوطنية تتطلب بناء شراكات متعددة ، وتعزيز القدرات الذاتية ، وتنويع الخيارات الاستراتيجية بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير بدل الاكتفاء بردود الفعل .
إن ما نشهده اليوم لا يعني بالضرورة نهاية الخلاف بين واشنطن وطهران ، بل انتقاله من مرحلة المواجهة المباشرة والخطابات الحادة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا عنوانها التفاوض والمساومة وإدارة التنافس .
فالقوى الكبرى لا تتخلى بسهولة عن مصالحها ، والدول الإقليمية لا يمكنها تجاهل التحولات التي تعيد رسم المشهد من حولها .
ليست المنطقة مقبلة بالضرورة على سلام شامل ، كما أنها ليست حتما على موعد مع انفجار واسع ، إنها أمام مرحلة إعادة تموضع هادئة ، تتغير فيها التحالفات وتتبدل فيها الحسابات .
وربما تكون الملفات التي تُدار خلف الأبواب المغلقة أكثر تأثيرا من التصريحات المعلنة ، لأن مستقبل الإقليم غالبا ما يصنع في لحظات التحول الصامتة أكثر مما يصنع في لحظات الضجيج السياسي .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية