ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
ليست كل المدن التي يزورها الملوك مجرد محطات على خارطة الوطن ، وليست كل الاحتفالات الوطنية مجرد مواسم للفرح .
بعض المدن و الأمكنة تتحول ، حين يلامسها حضور الملك ، إلى ذاكرة حيّة ، وبعض المناسبات تصبح جسورا من مشاعر المحبة تمتد بين العرش والشعب .
هكذا تبرز مدينة تطوان والمضيق هذه الأيام، وهما تستعدان لاستقبال احتفالات عيد العرش المغربي ، كأنهما تتهيآن لاستقبال الوطن كله .
فحين تتزين الحمامة البيضاء ، وحين يستعد ساحل تمودا باي لاستقبال الوفود والشخصيات الوطنية و العالمية ، لا يكون الأمر مجرد استعداد لمراسم ملكية رسمية ، بل هو موعد مع واحدة من أكثر اللحظات رمزية في الوجدان المغربي : لحظة يلتقي فيها العرش بالشعب ، وتلتقي فيها ذاكرة الوطن بحاضره ، ويجدد المغاربة ، في أجواء من الاعتزاز والوفاء ، معنى البيعة والولاء .
ولعل أجمل ما في اختيار الملك محمد السادس لمدينتي تطوان والمضيق لاحتضان جانب من احتفالات عيد العرش ، أنه يحمل في حد ذاته رسالة تتجاوز المراسم والبروتوكول .
إنه يقول للشمال المغربي : أنت في قلب الوطن ، ويقول لتطوان ، بتاريخها العريق وروحها الأندلسية وبياضها الذي يشبه السلام : أنت لست على هامش المشهد ، بل في قلب المعجزة المغربية .
ويقول للمضيق ، ببحرها المفتوح على الأفق : إن الوطن الذي يمتد من جباله إلى شواطئه ، ومن مدنه العتيقة إلى مشاريعه الحديثة ، وطن واحد تجمعه محبة واحدة وذاكرة واحدة ومستقبل واحد .
في عيد العرش المغربي ، لا يحتفل الأشقاء المغاربة فقط بذكرى اعتلاء الملك العرش ، بل يحتفلون أيضا بفكرة المغرب التي تتجدد كل عام : مغرب متماسك ، متعدد الجهات ، غني بتاريخه ، ومتشبث بوحدته ، يرى في العرش رمزا للوجود و للاستمرارية و الاستقرار و الوفاء و المجد .
ولذلك تبدو تطوان في هذه المناسبة مختلفة .
شوارعها العامرة تستعيد أناقتها ، واجهاتها تزداد إشراقا ، والأعلام ترفرف في فضائها ، فيما يتحول حضور الوفود الوطنية والشخصيات المدنية والعسكرية و ضيوف المملكة إلى مشهد وطني تتجاور فيه كل جهات المملكة، وكأن المغرب بأسره جاء ليقول لتطوان : نحن هنا معك .
وهذه الصورة وحدها تحمل شيئا من الشعر .
مدينة شمالية تحتضن أبناء الوطن من كل الجهات ، وملك يختارها لتكون مسرحا لمناسبة وطنية كبرى ، وشعب يلتقي حول رمزية العرش في لحظة تختصر الكثير من التاريخ والكثير من المشاعر .
ثم إن عيد العرش المغربي لا يبقى داخل القصور أو في حدود المراسم الرسمية . فالاحتفال حين يحل بمدينة ، يتحول إلى حركة في الشوارع والأسواق والفنادق والمطاعم والمرافق السياحية ، ويمنح الاقتصاد المحلي نفسا جديدا ، ويُعرّف الزائرين بمؤهلات المنطقة ، ويجعل من المناسبة الوطنية نافذة أخرى على جمال الشمال المغربي وقدرته على استقبال العالم .
لكن ما يبقى في النهاية ليس عدد الوفود، ولا تفاصيل المراسم، ولا زينة الشوارع.
ما يبقى هو الشعور ، شعور مدينة تستقبل ملكها وشعور شعب وفي يرى في هذه المناسبة موعدا سنويا لتجديد الوفاء.
وشعور وطن تتعانق فيه الجغرافيا مع التاريخ، وتلتقي فيه طنجة وتطوان والمضيق والرباط ومراكش وفاس والصحراء و الدار البيضاء وكل الجهات تحت راية واحدة.
هكذا يصبح عيد العرش المغربي أكثر من ذكرى في التقويم.
إنه لحظة يستعيد فيها المغرب الشقيق صورته عن نفسه ، بلدا يعرف من أين جاء ، ويعرف لمن ينتمي ، ويعرف أن قوة الأوطان ليست فقط في مؤسساتها ومشاريعها ، وإنما أيضا في تلك الروابط العميقة التي لا تُرى بالعين ، لكنها تظهر في لحظات الفرح الوطني .
وحين تفتح تطوان أبوابها للملك ، فإنها لا تفتحها لقائد و زعيم امة فقط، وإنما تفتحها لذاكرة مغرب المجد كلها .
وحين يلتقي العرش بالشعب في هذه المدينة البيضاء ، يبدو المشهد وكأنه رسالة بسيطة وعميقة في آن واحد :
هنا المغرب الشقيق …
هنا الوفاء…
وهنا، بين البحر والجبل ، بين ذاكرة الأندلس وحاضر المملكة، يتجدد العهد بأن يبقى الوطن بيتا واحدا ، مهما اتسعت مدنه، وتنوعت جهاته، واختلفت تضاريسه .
كل عام والمغرب الشقيق بخير.
وكل عام وتطوان بيضاء كما أراد لها التاريخ ، جميلة كما أراد لها البحر ، وقريبة من قلب الوطن كما أراد لها الملك .
وكل عام، يبقى عيد العرش المغربي مناسبة لا للاحتفال فقط ، بل لتجديد ذلك الخيط العاطفي العميق الذي يصل شعبا مخلصا وفيا بملكه و بعرشه، ووطنا بذاكرته، وحاضرا بمستقبله .


