بقلم أ.حذامي محجوب (رئيس التحرير).
من يقرأ سلوك إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران بعين التاريخ، لا بعين الشعارات، يدرك أن الهدف الأمريكي لا يبدو تكرار سيناريو بغداد عام 2003، بل تجنب تكراره تماما .
فالولايات المتحدة الأمريكية تعلم ، من واقع تجربتها المريرة في العراق وأفغانستان، أن إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من إدارة اليوم التالي .
لذلك، فإن ما يبدو أنها تسعى إليه ليس هدم الدولة الإيرانية ، وإنما تفكيك البنية العقائدية والعسكرية التي حكمتها منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، أي منظومة ولاية الفقيه .
وهذا ما يفسر تركيز الضغوط والعمليات على مراكز القوة الحقيقية للنظام : استهداف القيادات العليا ، وإضعاف الحرس الثوري ، وتقويض البرنامج النووي ، وتحجيم القدرات الصاروخية الباليستية ، باعتبارها الأعمدة التي يستند إليها المشروع الإيراني داخليا وخارجيا .
فالغاية ، وفق هذه القراءة ، ليست القضاء على إيران كدولة ، بل إنهاء المشروع السياسي والعسكري الذي حملته ولاية الفقيه طوال أكثر من أربعة عقود .
فإيران ليست العراق .
إنها دولة تضم أكثر من واحد وتسعين مليون نسمة ، وتمتد على مساحة شاسعة ، وتعيش فيها قوميات متعددة ومذاهب مختلفة وتوازنات اجتماعية معقدة .
وأي انهيار كامل لمؤسساتها لن يعني سقوط نظام سياسي فحسب، بل انفجار فضاء جغرافي كامل يمتد أثره إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى .
لقد أثبتت تجربة العراق أن إسقاط الدولة أدى إلى سنوات من الفوضى والاقتتال الطائفي ، وولادة تنظيمات إرهابية ، وتدخلات إقليمية واسعة ، وملايين النازحين .
فكيف سيكون المشهد إذا تكرر السيناريو ذاته في إيران ، وهي أكبر حجما وأكثر تعقيدا وتأثيرا ؟ .
إن انهيار الدولة الإيرانية قد يفتح الباب أمام صراعات مذهبية وقومية يصعب احتواؤها ، وسيولد موجات لجوء هائلة نحو دول الجوار ، تمتد من العراق وتركيا إلى الخليج وأذربيجان وأفغانستان وباكستان .
كما سيخلق فراغا أمنيا قد تستثمره جماعات متطرفة أو ميليشيات متنافسة ، لتتحول المنطقة بأكملها إلى بؤرة عدم استقرار جديدة .
لهذا يبدو أن واشنطن لا تريد إسقاط إيران بالطريقة التي أسقطت بها العراق ، وإنما تسعى إلى تفكيك أدوات القوة التي تحمي مشروع ولاية الفقيه ، مع الإبقاء على مؤسسات الدولة الأساسية ، بما يسمح بانتقال سياسي لا يقود إلى الانهيار الشامل .
ومن اللافت أن هذا المسار لا يقتصر على الداخل الإيراني ، بل يمتد إلى مجمل البيئة الإقليمية التي بنت فيها طهران نفوذها طوال العقود الماضية .
فالمعادلة لا تقوم فقط على إضعاف البرنامج النووي أو القدرات الباليستية ، وإنما أيضا على تفكيك شبكة النفوذ التي أنشأتها إيران خارج حدودها ، والتي مثلت طوال سنوات امتدادا عمليا للحرس الثوري.
ومن هنا يمكن فهم الدعم الأمريكي المتواصل للدولة اللبنانية في مساعيها إلى بسط سلطتها الكاملة على أراضيها وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية ، بما سيؤدي تدريجيا إلى تقليص نفوذ و الدور العسكري لحزب الله ، الذي يمثل أبرز أذرع إيران الإقليمية .
كما يمكن قراءة الانفتاح الأمريكي على الحكومة العراقية وتشجيعها على تعزيز سيادة الدولة واحتكارها للسلاح ، في إطار مسار يهدف إلى الحد من نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران ، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية .
وبالموازاة مع ذلك ، تتواصل الضغوط على شبكات النفوذ الإيرانية في سوريا واليمن ، سواء عبر العقوبات أو الضربات المحدودة أو الدعم السياسي والعسكري لحلفاء واشنطن .
وكأن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على تفكيك ” الهلال العسكري ” الذي بنته طهران، حلقة بعد أخرى، حتى تجد القيادة الإيرانية نفسها محصورة داخل حدودها ، بعد أن فقدت أدوات التأثير التي منحتها وزنا إقليميا طوال العقود الماضية .
وإذا نظرنا إلى هذه التحركات مجتمعة ، فإنها توحي بأن الهدف ليس احتلال إيران أو إسقاط مؤسساتها ، وإنما إعادة تعريف دورها الإقليمي ، ودفعها إلى التخلي عن نموذج ” الدولة الثورية ” لصالح نموذج ” الدولة الوطنية ” التي تنشغل بتنمية الداخل أكثر من إدارة الصراعات خارج الحدود .
ولعل النموذج الأقرب الذي يمكن استحضاره ، من حيث الفكرة لا من حيث التفاصيل ، هو الانتقال السياسي الذي شهدته سوريا ، أي تغيير بنية السلطة من دون محو الدولة أو تفكيك مؤسساتها بالكامل .
فالرهان ، وفق هذه المقاربة ، ليس على الفوضى ، بل على انتقال يمنع انهيار الدولة ويحرم المشروع الأيديولوجي من أدواته العسكرية .
لقد تعلمت الولايات المتحدة أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغا ، بل تملؤه الميليشيات ، والتنظيمات المتطرفة ، والتدخلات الخارجية . ولذلك يبدو أنها تحاول هذه المرة الفصل بين النظام والدولة ، وبين الأيديولوجيا والمؤسسات .
لهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس : هل يريد ترامب إسقاط إيران ؟.
بل السؤال الأدق هو : أي إيران يريد أن تنتهي؟
إذا كانت هذه القراءة صحيحة ، فإن الهدف ليس إسقاط طهران ، وإنما إنهاء مشروع ولاية الفقيه بوصفه مشروعا عابرا للحدود ، يمتلك جيشا عقائديا ، وشبكة من الوكلاء ، وبرنامجا نوويا ، وترسانة صاروخية ، ويستند إلى فكرة ” تصدير الثورة ” أكثر مما يستند إلى مفهوم الدولة الوطنية .
فالرهان ، في نهاية المطاف ، لا يبدو موجها ضد إيران كأمة أو كشعب ، وإنما ضد نموذج حكم يراه كثيرون مصدر التوترات الإقليمية . ولذلك، فإن أخطر ما قد تخشاه واشنطن ليس بقاء النظام الإيراني ، بل سقوطه بالطريقة الخاطئة. سقوطٌ يفتح أبواب الفوضى على دولة تضم واحدا وتسعين مليون شخص ، ويجعل الشرق الأوسط كله يدفع ثمن انهيارها.

