تونس 30°C

27 جويلية 2026

تونس 38°C

27 جويلية 2026

الطرق جسورا للدبلوماسية … المغرب و لغة الرموز.

بقلم أ.حذامي محجوب (رئيس التحرير).

في السياسة، ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر ، وليست كل المواقف تُعلن في البيانات والخطب .
أحيانا يكفي أن يُطلق اسم على طريق ، أو أن يُبنى جسر ، أو أن تُشقّ طريق في قلب الصحراء ، حتى تتحول الجغرافيا نفسها إلى خطاب سياسي أكثر بلاغة من الكلمات .
وهكذا يمكن قراءة الخطوة المغربية الأخيرة بإطلاق اسم دونالد ترامب على الطريق السيار الرابط بين تيزنيت والداخلة ، في مبادرة حملت من الرمزية أكثر بكثير مما قد يبدو في ظاهرها .
فقد سارع الرئيس الامريكي إلى التعبير عن شكره للملك محمد السادس عبر منصته Truth Social، واصفا التسمية بأنها ” شرف عظيم ” ، ومبديًا رغبته في أن يسلك هذا الطريق يوم ا بكامل امتداده.
قد يراها البعض مجرد لفتة بروتوكولية أو مجاملة ملكية دبلوماسية ، لكن السياسة لا تُقاس دائما بحجم الحدث ، وإنما بما يحمله من رسائل وما يفتحه من آفاق .
فالطريق السيار تيزنيت – الداخلة ليس مجرد شريط إسفلتي يشق الصحراء نحو الجنوب .
إنه مشروع استراتيجي يمتد على نحو 1,055 كيلومترا ، ويربط شمال المملكة بجنوبها ، ويعزز حركة الأشخاص والبضائع ، ويدعم الرؤية المغربية لتنمية الأقاليم الجنوبية وربطها بالمجال الإفريقي الأطلسي .
وقد أُنجز المشروع ضمن رؤية تنموية واسعة، وبكلفة تقدر بنحو 10 مليارات درهم مغربي .
ومن هنا تصبح التسمية ذات دلالة مضاعفة .
فالطريق الذي يحمل اسم ترامب يمر في فضاء ارتبط اسمه بواحد من أكثر القرارات الأمريكية أهمية في تاريخ قضية الصحراء ، حين اعترفت الإدارة الأمريكية سنة 2020 بسيادة المغرب على الصحراء .
ولذلك فإن الجمع بين اسم الرئيس الأمريكي ومشروع تنموي ضخم في الأقاليم الجنوبية يمنح الرمز بعدا سياسيا يتجاوز حدود المجاملة ، ويضع التنمية والدبلوماسية في مسار واحد .
إنها، ببساطة، فلسفة مغربية تقول إن أفضل طريقة للدفاع عن الرؤية الوطنية ليست دائما رفع الصوت ، وإنما بناء الوقائع .
وهنا تكمن خصوصية الدبلوماسية المغربية .
فالمغرب ، خلال السنوات الماضية ، لم يتعامل مع القوة الناعمة باعتبارها مجرد حفلات ثقافية أو مهرجانات أو صور جميلة للتراث ، بل وسّع مفهومها ليشمل التنمية ، والاستثمار ، والبنية التحتية ، والرموز التاريخية ، والعلاقات الإنسانية ، وحضور المملكة في إفريقيا ، وإدارة صورتها في العالم .
إنها دبلوماسية لا تكتفي بأن تقول للعالم ماذا تريد ، بل تسعى إلى أن تجعل العالم يرى ما الذي تبنيه .
والطريق إلى الداخلة مثال بالغ الدلالة على ذلك .
فكل كيلومتر منه يحمل رسالة : الجنوب ليس هامشا ، والتنمية ليست شعارا، والجغرافيا ليست قدرا جامدا، وإنما يمكن تحويلها إلى فضاء للتكامل الاقتصادي والانفتاح الإفريقي والاستثمار والمستقبل .
وفي السياسة الدولية ، هذه اللغة قد تكون أكثر تأثيرا من عشرات البيانات .
أما اختيار اسم دونالد ترامب تحديدا ، فيحيل أيضًا إلى عمق العلاقة التاريخية بين المغرب والولايات المتحدة .
فالمغرب كان من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة ، قبل أن تتطور العلاقة عبر قرون إلى شراكة سياسية واستراتيجية متينة .
وهنا تتجلى براعة الرمز .
فحين يُربط اسم رئيس أمريكي بطريق مغربي يعبر الجنوب نحو الداخلة ، فإن التاريخ يلتقي بالجغرافيا ، والسياسة تلتقي بالتنمية ، والرسالة الدبلوماسية تسير فوق طريق من الإسفلت .
وهذا بالضبط ما يجعل القوة الناعمة قوة حقيقية .
فالدول الحديثة لا تتنافس فقط بالصواريخ والاقتصاد والأسواق ، بل تتنافس كذلك بالقدرة على صناعة الصورة ، وبناء الثقة ، وإنتاج الرموز ، وتحويل الإنجازات إلى سردية تقنع الآخر بأن الدولة تعرف إلى أين تذهب .
والمغرب يبدو واعيا بهذه المعادلة .
إنه لا يريد أن تكون التنمية منفصلة عن الدبلوماسية ، ولا أن تكون البنية التحتية مجرد مشاريع تقنية صامتة .
المغرب يريد للمشروع أن يتحدث، وللطريق أن يروي قصة ، وللمدينة أن تحمل رسالة ، وللصحراء أن تتحول من مجال جغرافي إلى فضاء اقتصادي واستراتيجي مفتوح على إفريقيا والعالم .
ولعل أكثر ما يلفت في التجربة المغربية هو هذا المزج بين هدوء الدبلوماسية وقوة الإنجاز .
فبدل أن تتحول السياسة الخارجية إلى ضجيج يومي ، تُترك المشاريع الكبرى لتتكلم . وبدل الاكتفاء بإعلان المواقف ، يجري الاستثمار في صناعة الوقائع .
وبدل أن تكون الرموز مجرد زينة للمشهد ، تتحول إلى أدوات ذكية لإدارة العلاقات الدولية .
من هنا تحديدا ، فإن تسمية الطريق باسم دونالد ترامب يمكن أن تُقرأ بوصفها أكثر من تكريم لشخصية سياسية أمريكية .
إنها رسالة إلى واشنطن حيث القرار ، وإلى إفريقيا حيث الانتماء ، وإلى العالم كله ، مفادها أن المغرب يعرف كيف يحفظ ذاكرته ، ويكرّم أصدقاءه، ويستثمر في علاقاته، وفي الوقت نفسه يواصل بناء مشروعه الوطني بكز ثقة وهدوء .
لقد أدرك المغرب أن الدبلوماسية ليست دائمًا طاولة مفاوضات ، وأن السياسة لا تُصنع كلها داخل القصور والمؤسسات .
أحيانا تُصنع على طريق طويل يمتد من تيزنيت إلى الداخلة ، حيث تتحول المسافة إلى معنى ، والتنمية إلى نفوذ ، والجغرافيا إلى رسالة .
وفي النهاية ، ربما تكون أجمل صورة لهذه الدبلوماسية أن الطريق نفسه أصبح لغة .
طريق يشق الصحراء ، لكنه لا يشق الأرض وحدها ، بل يشق طريقًا إلى المستقبل.
طريقٌ يحمل اسم رئيس أمريكي ، لكنه يحمل في عمقه قصة مغربية عن دولة تعرف كيف توظف التاريخ لخدمة الحاضر ، وكيف تجعل التنمية جزءًا من السياسة ، وكيف تحول الرمز إلى جسر ، والجسر إلى شراكة .
وهكذا ، حين تصبح الطرق جسورًا للدبلوماسية ، لا تعود الجغرافيا مجرد خرائط صامتة.
تصبح السياسة طريقا…
ويصبح الطريق رسالة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية