تونس 24°C

25 ماي 2026

تونس 38°C

25 ماي 2026

الخامس من يوليو في الجزائر: ذاكرة .. وأمانة الأمل .

بقلم – أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليس الخامس من جويلية مجرد تاريخ يُسجَّل في دفاتر الأيام، ولا رقما يُتلى في نشرات الأخبار. إنه نبض وطن، وجرح مفتوح في ذاكرة شعب قاوم طغيان الاستعمار بدمه، وانتصر لكرامته بعد عقود من القهر والتهميش. ففي مثل هذا اليوم من عام 1962، استعادت الجزائر اسمها من بين أنياب المستعمر، وصوتها من بين أنقاض الحرب ، ورايتها من بين ألسنة الرماد، لتعود أمة بين الأمم بعد أن كادت تُمحى من التاريخ والجغرافيا.
إحياء هذا اليوم ليس طقسا بروتوكوليا ولا احتفالا موسميا، بل هو لحظة تأمل حقيقية في معنى الوطن، وفي كُلفة الحرية حين تُنتزع بالدم ولا تُمنح بالمساومات.
إنه يومٌ يخاطب الوجدان قبل الآذان، يوقظ الذاكرة الجماعية من سُباتها، ويطرح علينا سؤالا جوهريا: ماذا يعني أن تكون جزائريا في وطن ولِد من رحم الشهادة ؟ وهل نملك اليوم شجاعة الحفاظ على ميراث من سبقونا دون أن نخون جذور الأرض وروح التضحية ؟ .
الخامس من جويلية يذكّرنا أن الاستقلال ليس لحظة نحتفل بها، بل مسيرة وعي ومسؤولية لا تنتهي.
النصر لا يُقاس فقط برحيل المحتل، بل بثبات السيادة، وصدق الانتماء، ونقاء الذاكرة من التحريف والنسيان. هو درسٌ بليغ : من ينسى تاريخه، يُقصى من مستقبله، ومن يتنكر لتضحيات شهدائه، يمهد لطغيان جديد.
إن الجزائر لم تكن صفقة جغرافية تُدار من بعيد، بل وطنا صيغ من صرخات الأمهات، ومن وجوه الآباء الذين دفنوا أبناءهم ومضوا إلى المعركة التالية دون دموع. إنه يومٌ تخجل فيه الكلمات، وتخشع فيه الذاكرة، وتصطف أرواح الشهداء لتسألنا : هل كنتم أمناء على العهد؟ .
وفي عالم تتعدد فيه أشكال الاحتلال ، من الاقتصادي إلى الثقافي، ومن الرقمي إلى القيمي تبقى الجزائر مدعوة لتجديد استقلالها كل يوم. لا من الخارج فقط، بل من الداخل أيضا: من الفساد، ومن التبعية، ومن اليأس. فالوطن لا يحيا بالماضي وحده، بل بقدرة الجيل الجديد على صون المنجز، وبناء ما يستحق التضحيات.
الخامس من جويلية ليس مجرد لحظة تكريم، بل موعد للمراجعة، ومحطة لغسل الوعي من البلادة، والانحناء بخشوع أمام تاريخ لم يُكتب بالحبر، بل رُسم بالدموع والدم.
يوم يعلّم الأجيال أن السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الحرية مسؤولية قبل أن تكون شعارا.
تحيا الجزائر… حرة بتاريخها، شامخة بدم شهدائها، وفية لوعدها، وماضية نحو المستقبل بإرادة لا تُكسر، وعزم لا يلين. فالاستقلال لم يكن نهاية الطريق… بل بدايته.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية