عواصم – عرب 21 :
ليست هذه مجرد حادثة عابرة ولا خطأ تقنيا يمكن تجاوزه بالصمت أو الاعتذار الباهت. ما حدث مع عدد من المسافرين على متن شركة الطيران التونسية ” نوفل اير ” Nouvelair هو فضيحة مكتملة الأركان، تضع علامات استفهام محرجة على مهنية الشركة واحترامها لعقودها وركّابها، بل وعلى جدوى مؤسسات الرقابة في هذا البلد.
تخيل أن تشتري تذكرة سفر ذهابا وإيابا، تدفع ثمنها كاملا، تحتفظ بها بين يديك وتغادر بها مطمئنا إلى وجهتك، فقط لتفاجأ عند بوابة العودة في مطار أجنبي بأن تذكرتك ” غير صالحة ” لأن ” ثمنها لم يُدفع ” ! منطق أعوج وسيناريو أقرب إلى الخداع منه إلى الخطأ.
كيف يمكن لمواطن دفع مستحقاته أن يُعامَل كمشتبه فيه؟ كيف تتحول شركة وطنية إلى خصم بدل أن تكون سندا لمواطنيها في الخارج ؟.
هذه ليست حادثة منفردة، بل نمط متكرر، بحسب شهادات عدة لمواطنين وجدوا أنفسهم في الموقف ذاته : تذكرة مدفوعة تلغى دون سابق إنذار، وابتزاز مبطّن لشراء تذكرة جديدة من نفس الشركة، فقط ليعودوا إلى وطنهم. فأي منطق استثماري هذا الذي يحوّل المسافر إلى رهينة؟ وأي احترام لعقود السفر وأخلاقيات التعامل؟.
ما تقوم به شركة ” نوفل اير ” ليس مجرد سوء إدارة، بل هو خرق فجّ لحقوق المستهلك، وامتهان لكرامة المواطن. الأسوأ من ذلك أن الشركة لم تُكلّف نفسها حتى عناء إصدار توضيح أو اعتذار رسمي.
صمت مريب، يضاعف من الغضب، ويؤكد أن المسألة أعمق من مجرد ” خلل تقني ” .
أين وزارة النقل؟ أين هيئات الرقابة؟ أين الدولة حين يُهان المواطن في المطارات، ويُجبر على دفع ثمن جديد لتذكرة سبق أن دفعها؟ هل يعقل أن يبقى المواطن وحيدا، عالقا أمام شباك شركة لا تعترف بأخطائها، ولا تخجل من تكرارها؟.
الكرامة ليست ترفا، ولا امتيازا تمنحه شركات الطيران وفق مزاجها. الكرامة حق، تبدأ من احترام العقود والالتزامات، وتمر عبر الاعتراف بالأخطاء، وتنتهي عند آليات تعويض واضحة وشفافة للمتضررين.
ما يحدث اليوم مع ” نوفل اير ” يجب ألا يمرّ مرور الكرام. ليس فقط لأن ما جرى فضيحة، بل لأنه مؤشر على ترهل المنظومة بأكملها : منظومة نقل، ومنظومة رقابة، ومنظومة أخلاقية باتت تسمح بالاستهتار بحقوق المواطن دون أدنى مساءلة.
لقد آن الأوان لنقولها بوضوح : لا كرامة لوطن يُترك فيه المواطن رهينة عند بوابة العودة.


