بقلم – أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
يطلّ يوم عاشوراء كل عام، لا كمجرد محطة زمنية في الروزنامة الإسلامية، بل كنبضٍ حيّ في ذاكرة الأمة، يستنهض الوجدان ويوقظ الأسئلة التي لا تموت.
هو العاشر من محرّم، أول شهور السنة الهجرية، لكنه لا يستقبل بالزينة والاحتفال، بل بالحزن والخشوع، وبتأمل في معاني الفداء، والكرامة، والثبات على المبدأ في وجه الطغيان.
في هذا اليوم، تعود الأرواح إلى كربلاء ، حيث سال الدم النبيل على رمالٍ ظمأى ، لتُكتب واحدة من أبلغ صفحات التاريخ الإنساني في الشهادة والرفض.
لم يكن الحسين بن علي، سبط النبي محمد، ساعيا إلى سلطة أو طالبا لفتنة، بل كان صوته صريحا في وجه الانحراف: ” لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما. كلمات لا تخص طائفة بعينها، بل تخاطب الضمير الحرّ، حيثما وجد، وتعلن أن الكرامة لا تشترى، وأن السكوت على الظلم خيانة لله والإنسان والرسالة.
لكن لعاشوراء وجها آخر، لا يقلّ رهبة وقداسة.
هو اليوم الذي نجا فيه النبي موسى وقومه من بطش فرعون، يوم انشقّ فيه البحر ليكون طريقا إلى النجاة.
وبين الدم النازف في كربلاء والماء المنفلق في البحر، ينسج التاريخ توازيا عجيبا : خلاصٌ في لحظة، وشهادةٌ في لحظة أخرى. كلاهما يروي ملحمة صراع أبدي بين الحق والباطل، بين نور يُطارد وظلم يتبدّل وجهه لكنه لا يختفي.
طقوس الناس في عاشوراء تتباين، لكن الحزن يجمعهم، والماء يصبح رمزا لفقدٍ لا يُنسى، حين مُنع حتى الرضيع من شربه.
يصوم البعض طلبا للأجر، ويُحيي آخرون المجالس لطلب الوعي، فيما يختار آخرون صمتا ثقيلا يسكنه وجعٌ لا تبلغه الخطب، ولا تفي به الكتب.
في العراق، تتشح المدن بالسواد، وتتحول كربلاء إلى قبلة تمشي نحوها القلوب قبل الأقدام. ملايين الزائرين لا يُقرأ مشهدهم فقط في ضوء الدين، بل كبحث عن عدالة غائبة في بلد طحنته الحروب والانقسامات.
في لبنان، تُستحضر الذكرى في خطابات تمزج الديني بالسياسي، وتُستخدم المنابر لمساءلة الواقع والتاريخ. في البحرين، تأخذ الذكرى طابعًا احتجاجيا صامتا، تعبيرا عن شعور بالغبن داخل سياق سياسي محتقن.
في إيران، يُستدعى الحسين إلى قلب العقيدة السياسية، ويُوظَّف كرمز للثورة لا ضد يزيد الأمس فقط، بل ضد ” طواغيت العصر ” ، كما تصفهم أدبيات الدولة.
أما في باكستان والهند وأفغانستان، فتُقام المواكب في ظل تهديدات أمنية، تتحول معها الطقوس إلى رموز للصمود أكثر من كونها مجرد طقوس دينية. وفي شمال إفريقيا، في تونس والمغرب والجزائر، يحتفظ يوم عاشوراء بطابع شعبي يمزج بين الصيام والعطاء والتقاليد، دون أن يغيب عنه البعد الثقافي والاجتماعي.
رغم كل هذا التنوّع، تظلّ عاشوراء علامة فارقة في الوعي الجمعي للأمة. كل مجتمع يرى في كربلاء انعكاسا لمظلوميته الخاصة، ويقرأ فيها معاناته ومقاومته، وأمله في انبلاج فجر جديد. إنها عدسة تظهر صدق الشعارات من زيفها، وتُختبر عبرها النظم، والمبادئ، والمواقف.
وفي عاشوراء، لا تنتهي الأسئلة : لماذا يُقتل العدل؟ لماذا يُحاصر النور؟ وهل تتكرّر كربلاء اليوم، بصور مختلفة، في أرجاء العالم الجريح؟ لكنها أسئلة لا تقود فقط إلى الحزن، بل تُضيء طريق الرجاء. فربما توقظ الذاكرة الضمير، وتعلّمنا أن لا صوت يعلو فوق صوت الحق، وأن راية الحسين، التي رُفعت على الرمال، لا تزال تخفق في وجدان كل من يرفض الذلّ، ويصرّ على أن يموت واقفا.
عاشوراء ليست مجرد ذكرى دينية، بل مدرسة أخلاقية، ومنارة للحرية والكرامة، ودعوة دائمة إلى أن نراجع أنفسنا، نواجه الاستبداد، ونستحضر من التاريخ درعًا لأجيال لا تقبل أن يُقتل الحسين مرتين.
وكل الاحترام لمشاعر إخوتنا الشيعة في هذه الذكرى الجليلة. نسأل الله أن يجمع الأمة على درب الخير والعدل، ويجعل من عاشوراء منارةً للوعي، لا للحزن فقط.


