بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لم يعد الحديث عن إيران مجرّد تمرين تحليلي يُستدعى في لحظات الهدوء ، بل أضحى ضرورةً تفرضها حربٌ قائمة وتوترٌ بلغ مداه ، في منطقة تغلي على وقع صراع مفتوح تتشابك فيه الحسابات العسكرية مع رهانات النفوذ .
وفي خضم هذا المشهد المحتدم ، يتكرر الالتباس ذاته : خلطٌ غير منصف بين شعب عريق في تاريخه وثقافته ، وبين نظام سياسي أحكم قبضته عليه لعقود .
غير أنّ لحظات التحوّل الكبرى لا تحتمل الضبابية ، بل تستدعي وضوحا حاسما . فالإيرانيون ليسوا هذا النظام ، ولا يمكن اختزالهم في سياساته أو تحميلهم تبعات خياراته .
إنهم امتدادٌ لحضارة فارسية ضاربة في عمق الزمن ، حضارةٌ أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني ، وأهدت العالم فكرا وأدبا وفنونا ما تزال حية في الذاكرة الإنسانية . هو شعبٌ يميل بطبيعته إلى الحياة ، إلى الجمال ، إلى المعرفة ، وإلى الانفتاح ، حتى وإن طوّقته القيود .
في المقابل ، يقف النظام الإيراني، في صورته الراهنة، كنموذج أوتوقراطي ذي طابع ثيوقراطي ، يحتكر السلطة باسم الدين ، ويعيد تشكيل الدولة والمجتمع وفق منطق الولاء الأيديولوجي .
وعلى امتداد ما يقارب سبعة وأربعين عاما ، لم يتردد في قمع الاحتجاجات وإخماد الأصوات المعارضة ، معتمدا أدوات أمنية صارمة لضمان استمرارية السيطرة ، حتى وإن كان الثمن استنزافا داخليا متواصلا .
ومع تصاعد الحرب ، تتعرّى كلفة هذا النهج بشكل أكثر فداحة .
فموارد كان يمكن أن تُسخّر لتنمية الداخل وتحسين معيشة الإيرانيين ، جرى توجيه جزءٍ معتبر منها نحو صراعات خارجية ، ودعم شبكات نفوذ وميليشيات ، في سياق سعيٍ محموم لتوسيع الحضور الإقليمي .
وهكذا وجدت البلاد نفسها في قلب دوامة استنزاف مركّب : اقتصادي ، وسياسي ، ومجتمعي .
ورغم محاولات الخطاب الرسمي إظهار تماسك داخلي عبر مشاهد الحشود والمسيرات المؤيدة ، فإن تلك الصور لا تكفي لحجب واقع أكثر تعقيدا وعمقا . ففي الداخل الإيراني ، تتسع فجوةٌ صامتة بين ما يُروّج له، وما يعيشه الناس فعلا ، فجوةٌ تختزل تطلعات شعب يتوق إلى حياة طبيعية ، واستقرار حقيقي ، وانفتاح على العالم ، بعيدا عن منطق الصراع الدائم.
لقد أثبت الإيرانيون ، مرارا ، أنهم ليسوا كتلةً صامتة، بل مجتمعٌ حيّ، قادر على التعبير حتى في أشد الظروف قسوة .
إرادة الحياة لديهم لا تُقاس فقط بما يظهر في الشارع، بل بما يتراكم في الوعي الجمعي من رفض للانغلاق، ومن توق إلى أفق أكثر حريةً واتزانا .
إن الحرب الدائرة اليوم لا تلغي هذه الحقيقة ، بل تجعلها أكثر إلحاحا : هناك فارقٌ جوهري بين شعبٍ يعانق الحياة، ونظامٍ يستهلك نفسه وشعبه. نظامٌ قد ينجح في حجب الوقائع مؤقتا ، لكنه يعجز عن مصادرة تطلعات أمة بأكملها .
ومن يعرف إيران جيدا ، يدرك أن أكثر من يدفع ثمن هذه الحرب، وأكثر من يحلم بنهايات مختلفة ، هم الإيرانيون أنفسهم .
فهم ليسوا وقودا دائما لصراعات الآخرين، بل شعبٌ يتوق ، مثل سائر الشعوب ، إلى السلام، وإلى استعادة حقه في تقرير مصيره، بعيدا عن كلفة سياسات لا تعبّر عنه .



