-ابوبكر الصغير.
في ذكرى رحيل الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ( 6 افريل 2000 ) ، لا نستحضر فقط رجل دولة طبع تاريخ تونس الحديثة ، بل نستعيد أيضا علاقة فريدة بين الزعيم والصورة ، علاقة لم تكن سطحية أو دعائية فحسب ، بل كانت جزءا من مشروعه في الحكم، ومن فهمه العميق لمعنى الظهور في الوعي الجماعي.
انّ الصورة ، في السياسة ، ليست مجرد لقطة جامدة . إنها خطابٌ صامت ، يختزل السلطة ، ويعيد تشكيلها في أعين الناس .
منذ اكتشاف التصوير الفوتوغرافي، لم تعد الصورة مجرد وثيقة ، بل أصبحت أداة تأثير قوية ، قادرة على أن تقول ما يعجز عنه الكلام، وأن تترسخ في الذاكرة أكثر من أي خطاب .
ولعل ما شهدناه في محطات سياسية مختلفة يؤكد ذلك.
ففي انتخابات 2014، لم يتردد أحد المترشحين للرئاسية في استقدام فريق تصوير أجنبي محترف ، وصرف عشرات الآلاف من الدنانير من أجل صورة رسمية واحدة. لم يكن الأمر ترفا ، بل إدراكا بأن الصورة قد تحسم ما لا تحسمه البرامج .
وفي عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي ، كادت لافتات رسمية أن تُسحب بالكامل فقط لأن صورة الرئيس أظهرت بعض خصلات الشيب، بما يوحي بالشيخوخة.
لم تكن المشكلة في الصورة بقدر ما كانت في الرسالة التي تحملها : السلطة لا تريد أن تُرى ضعيفة، حتى في تفصيلٍ عابر .
هنا تحديدا نفهم بورقيبة بشكل أعمق .
فقد كان واعيا تماما بقوة الصورة ، لكنه لم يكن أسيرها .
كان حريصا على أناقته ، على هندامه ، على حضوره في المناسبات الرسمية والعائلية ، لأنه كان يدرك أن الزعيم يُرى قبل أن يُسمع .
لكن، في الوقت نفسه ، لم يكن يخشى الكاميرا في لحظاته الإنسانية .
يروي المصور بحري السوسي ، أحد أبرز من رافقوا الزعيم ، أن بورقيبة لم يكن يمانع في توثيق لحظات خاصة من حياته : وهو يمازح زوجته ، أو يقبلها ، أو يعيش تفاصيله العائلية البسيطة .
كان يدرك أن الصورة ليست فقط أداة سلطة، بل أيضا جسر إنساني يربطه بشعبه ، ويخلده في ذاكرة الأجيال كما هو : زعيما … وإنسانا .
لكن للصورة وجها آخر، أكثر قسوة .
فآخر صور بورقيبة ، وهو طريح الفراش في حالة ضعف ، لم تكن بريئة . لقد كانت رسالة سياسية بامتياز : إعلان نهاية رجل و نهاية مرحلة، وإعادة تشكيل صورة الزعيم في المخيال العام .
هكذا تتحول الصورة من أداة تخليد إلى أداة إقصاء ، ومن ذاكرة مجيدة إلى خاتمة مُراد لها أن تكون صادمة و نهائية .
ولا يقتصر هذا الوعي بالصورة على الماضي. ففي سياق التحولات السياسية، كان ظهور راشد الغنوشي ببدلة أوروبية وربطة عنق لأول مرة في حوار مع خليفة بن سالم على قناة نسمة ايام الأخوين القروي ، أكثر من مجرد اختيار لباس . لقد كان إعادة تشكيل لصورة سياسية، ومحاولة للعبور من خطاب أيديولوجي إلى تمثّل جديد للسلطة .
إنها اللغة الصامتة للصورة ، حين تعيد تعريف صاحبها دون كلمة واحدة.
في نظريات الاتصال السياسي ، تحتل الصورة مكانة مركزية هامة جدا .
فهي أسرع انتشارا ، وأشد تأثيرا ، وأكثر قدرة على التذكر .
تشير الدراسات إلى أن الصورة تخلق تفاعلا يفوق النص بعدة مرات ، لأنها لا تُقرأ فقط ، بل تُرى وتُحسّ . إنها تختصر المعنى ، وتكثّف الرسالة ، وتمنحها قابلية للانتشار والبقاء .
غير أن الفرق بين القادة يكمن في كيفية توظيف هذه القوة .
فهناك من يختبئ خلف الصورة ، يصنعها بعناية مفرطة ، ويخشى أي تفصيل قد يكشف هشاشته . وهناك من يتصالح معها ، يوظفها دون أن يفقد إنسانيته .
وهنا تحديدا يتمايز بورقيبة : لم يكن مجرد موضوع للصورة ، بل كان صانعا لرمزيتها .
لقد فهم بورقيبة ، مبكرا ، أن الزعامة لا تُبنى فقط بالقرارات ، بل أيضا بالتمثلات.
وأن الصورة ليست زينة مرافقة للسلطة فحسب ، بل جزء من شرعيتها .
لذلك بقيت صورته في ذاكرة التونسيين صورة الزعيم القوي ، الأنيق ، الحاضر … رغم كل ما حاول الزمن ، أو السياسة ، أن يضيفه أو يمحوه .
في الختام ، قد تختصر الصورة ألف كلمة على قولة الحكمة الصينية ، لكنها أيضا قد تختزل تاريخا كاملا .
وبين من يصنع الصورة ومن تصنعه الصورة ، يبقى الفرق جوهريا : هناك قادة يمرّون في الصور … وهناك من تتحول صورهم إلى جزء من التاريخ . و الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة … كان من هؤلاء .



