تونس 28°C

19 أفريل 2026

تونس 38°C

19 أفريل 2026

حين تتكلم السيادة بصوت واحد .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في زمن تتكاثر فيه الوقائع التي تختبر صلابة النظام الدولي ، يأتي البيان المشترك لوزراء خارجية عدد من الدول ليذكّر بحقيقة أساسية : السيادة ليست تفصيلا قابلا للتأويل ، بل ركيزة تأسيسية لا يمكن تجاوزها دون كلفة سياسية وأمنية .
الإدانة الجماعية لإعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى ما يُسمّى “ أرض الصومال ” لا تندرج في إطار ردّ فعل دبلوماسي عابر، بل تعبّر عن موقف مبدئي واضح يرفض إعادة تشكيل الخرائط عبر إجراءات أحادية .
وقد وقّع هذا البيان وزراء خارجية كل من المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، وجمهورية الصومال الفيدرالية، وجمهورية السودان، ودولة ليبيا، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، ودولة فلسطين، وجمهورية تركيا، وجمهورية إندونيسيا. هذا التنوع الجغرافي والسياسي يمنح الموقف وزنا خاصا ، ويحوّله من اعتراض سياسي إلى ما يشبه إجماعاً عابراً للأقاليم .
تكمن أهمية هذا البيان :
أولا : في طبيعته الجماعية ، فعندما تتحدث دول من مشارب مختلفة ، من الخليج إلى شمال أفريقيا ، ومن آسيا إلى القرن الأفريقي ، بلغة واحدة ، فإن الرسالة تتجاوز الحدث ذاته لتلامس بنية العلاقات الدولية .
القضية هنا لا تتعلق بالصومال وحده، بل بمبدأ عام : لا شرعية لأي كيان أو تمثيل دبلوماسي خارج إطار الدولة المعترف بها دوليا .
ومن هذا المنطلق ، يصبح الدفاع عن وحدة الصومال دفاعا عن فكرة الدولة نفسها في مواجهة التفتيت المقنّع .
ثانيا : يرسم البيان خطاً فاصلاً بين الممارسة السياسية المشروعة والانزلاق نحو فرض الأمر الواقع .
فالإجراءات الأحادية التي تمس وحدة الدول ليست مجرد تجاوزات تقنية ، بل اختبارات حقيقية لقدرة المجتمع الدولي على حماية قواعده .
والتساهل مع مثل هذه الخطوات ، ولو بالصمت ، يفتح الباب أمام سوابق قابلة للتكرار في مناطق أخرى ، بما يهدد استقرارا هشا في أكثر من إقليم .
ثالثا : يربط البيان بوضوح بين هذه الخطوة وتداعياتها على الأمن الإقليمي ، خاصة في منطقة القرن الأفريقي .
هذه المنطقة، القائمة على توازنات دقيقة ، لا تحتمل مغامرات دبلوماسية قد تعيد إنتاج التوترات أو تغذي النزعات الانفصالية .
وعليه، فإن التحذير من “ سابقة خطيرة ” ليس مجرد مبالغة خطابية ، بل قراءة واقعية لمسار قد يقود إلى تفكيك ما تبقى من منظومات الاستقرار .
رابعا :يعيد البيان الاعتبار للمرجعيات القانونية الدولية، من ميثاق الأمم المتحدة إلى القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.
ولا يبدو هذا الاستحضار شكليا ، بل يأتي في سياق محاولة تثبيت قواعد اللعبة في عالم يميل أكثر فأكثر إلى سياسات القوة .
فالتذكير بالقانون الدولي هنا هو ، في جوهره ، دفاع عن توازن ضروري يمنع تحول العلاقات الدولية إلى ساحة مفتوحة لفرض الوقائع .
غير أن الأهم في هذا الموقف الجماعي هو ما يعكسه من وعي متزايد بأن التفكك ، أينما وقع ، لا يبقى محصورا في حدوده الجغرافية . ما يُختبر اليوم في الصومال قد يتردد صداه غدا في مناطق أخرى ، وما يُسمح به هنا قد يتحول إلى قاعدة هناك .
لذلك، فإن الدفاع عن وحدة الصومال ليس مجرد تعبير عن تضامن سياسي ، بل استثمار في استقرار أوسع يتجاوز حدود الدولة المعنية .
في المحصلة، قد لا يغيّر بيان واحد موازين القوى ، لكنه يساهم في رسم حدود الممكن والمرفوض .
وبين عالم يُعاد تشكيله على وقع الأزمات، وأطراف تسعى إلى فرض حقائق جديدة ، تبرز مثل هذه البيانات كخطوط دفاع أولى عن فكرة الدولة ، وعن مبدأ السيادة ، وعن نظام دولي لا يزال ، رغم كل شيء ، بحاجة إلى من يذكّره بقواعده.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية