بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
في مشهد إقليميّ يزداد تعقيدا ، تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ موقعها كفاعل إنسانيّ مسؤول ، يمدّ يد العون للدول والشعوب دون ضجيج أو ابتغاء مقابل ، واضعة دعم الاستقرار والتنمية في صدارة أولوياتها .
وعلى امتداد عقود ، راكمت المملكة رصيدا وازنا من المساعدات الإنسانية والاقتصادية ، جعلها في مصافّ كبار المانحين عالميا ، ضمن نهج يقوم على واجب أخلاقي والتزام قيمي، بعيدا عن الحسابات الضيقة أو التوظيف السياسي المباشر .
هذا العطاء لم يكن يوما مجرّد أرقام تُحصى، بل كان سندًا حقيقيًا لشعوب أثقلتها الأزمات الاقتصادية والإنسانية .
كان حضورا في لحظات الانكسار ، ودعما في أزمنة الشدّة ، ومساهمة ملموسة في إعادة الأمل حيث كاد ينطفئ .
غير أنّ هذا المسار لم يَسلم ، في الآونة الأخيرة ، من أصوات متباينة ، بل وناقدة أحيانا ، داخل بعض المجتمعات العربية ، من بينها وجوه إعلامية تصدّرت المشهد ، اختارت التقليل من هذا الدور أو التشكيك فيه ، في مفارقة تثير أكثر من علامة استفهام حول تحوّلات الخطاب ومآلاته .
ولم يقف الأمر عند حدود النقد المشروع ، بل تجاوزته بعض المنابر إلى حملات موجّهة ، سعت إلى تأليب الرأي العام عبر خطاب انتقائي يعيد تشكيل الوقائع وفق سرديات بعينها . فبدل تقديم صورة متوازنة تعكس حجم الجهود المبذولة ، جرى تضخيم الجزئيات الهامشية وتهميش الحقائق الجوهرية ، بل وتقديم قراءات مجتزأة تفتقر إلى الدقة والإنصاف .
وهو ما يكشف ، في عمقه ، عن خلل مهنيّ واضح ، وتداخل بين الاعتبارات الإعلامية والانحيازات الأيديولوجية .
وفي مقابل هذا النهج القائم على الإسناد وتعزيز الاستقرار ، يبرز نموذج إقليميّ مغاير ارتبط بسياسات مثيرة للجدل ، قوامها التدخل في الشؤون الداخلية ، وتغذية الصراعات عبر دعم كيانات موازية للدولة الوطنية، فضلا عن توظيف البعد المذهبي في تعميق الانقسامات . وهو مسار أسهم ، في أكثر من ساحة ، في إرباك التوازنات وتعقيد الأزمات بدل احتوائها .
إنّ هذا التباين الحاد بين نموذجين ، أحدهما يستثمر في التنمية والاستقرار ، والآخر يُنظر إليه كعامل توتير واضطراب ، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول معايير تقييم المواقف لدى الرأي العام .
كيف يُقابل العطاء بالتشكيك أو التجاهل ؟ وكيف يُغضّ الطرف عن سياسات كان لها أثرٌ مباشر في تأجيج الأزمات وإطالة أمدها ؟ .
ورغم كل ذلك ، لا تبدو المملكة معنية بالانجرار إلى سجالات إعلامية أو مراجعة نهجها الإنساني ، بل تواصل أداء دورها بثبات واتزان ، انطلاقا من قناعة راسخة بأن العمل الإنساني لا يُقاس بردود الأفعال ، وأن القيمة الحقيقية للمواقف تُصنع بالفعل و الإنجاز لا بالشعارات .
في النهاية، يظلّ العطاء قيمة أخلاقية قبل أن يكون خيارا سياسيا ، ويظلّ التاريخ شاهدا لا يُجامل : من اختار البناء وترسيخ الاستقرار ، ومن راهن على الفوضى وتفكيك الدول



