38°C تونس
12/09/2026
الحوثي أمام اختبار الحقيقة : حين تضيق طهران وتتقدم المملكة .
أراء وأفكار

الحوثي أمام اختبار الحقيقة : حين تضيق طهران وتتقدم المملكة .

سبتمبر 11, 2026

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يعد التصعيد الحوثي مجرد محاولة لاستعراض القوة أو تحسين شروط التفاوض، بل أصبح مغامرة مفتوحة في منطقة تغيرت موازينها، وتبدلت فيها قواعد اللعبة.
والمشكلة أن الحوثيين ما زالوا يتصرفون بعقلية مرحلة مضت، وكأن مظلة طهران ما تزال قادرة على توفير الحماية بلا حدود، وكأن استهداف المملكة العربية السعودية يمكن أن يمر من دون ثمن.
لكن المملكة ليست دولة تُستدرج إلى ردود الفعل، ولا قوة تبحث عن إثبات حضورها عبر البيانات والتصريحات. إنها دولة تملك قرارها السيادي، وثقلها السياسي، وإمكاناتها العسكرية والاقتصادية، وتعرف جيدًا متى تضبط النفس، ومتى تتحرك، ومتى تجعل الرد جزءًا من حساب استراتيجي أوسع. ولهذا فإن الهدوء السعودي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره ترددًا، كما أن تجنب التصعيد لا يعني غياب القدرة عليه.
المفارقة أن الحوثيين، كلما اشتدت عليهم أزماتهم الداخلية، حاولوا تصديرها إلى خارج الحدود، وكأن فتح جبهة جديدة يمكن أن يعيد إليهم زمام المبادرة. غير أن هذه المعادلة قد تنقلب عليهم. فحين تتحول جماعة مسلحة إلى مصدر تهديد لأمن دولة إقليمية كبرى، فإنها لا توسع هامش المناورة أمامها، بل تضيق خياراتها، وترفع كلفة المواجهة عليها، وتدفع الأطراف الإقليمية والدولية إلى إعادة النظر في التعامل معها.
والأخطر أن الرهان على إيران لم يعد رهانًا مضمونًا كما كان. فطهران تواجه ضغوطًا سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، وتجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وحساباتها. ومن الخطأ الاستراتيجي أن يتعامل الحوثي مع الدعم الإيراني باعتباره شبكة أمان دائمة؛ فالدول لا تستطيع أن تدفع إلى ما لا نهاية كلفة مغامرات حلفائها، والتحالفات نفسها تتغير عندما تتغير موازين الكلفة والمصلحة.
وهنا يبرز السؤال الأصعب أمام الحوثيين : ماذا يحدث عندما يصبح الداعم نفسه في حاجة إلى إنقاذ أوراقه وترتيب بيته الداخلي والإقليمي؟ عندها قد تتحول المظلة التي بدت يومًا مصدر قوة إلى عبء سياسي، ويكتشف الطرف التابع أنه دخل معركة أكبر من قدرته على تحمل نتائجها.
أما اليمن، فهو يدفع الثمن الأكبر. فكل صاروخ جديد لا يغيّر فقط معادلات الصراع، بل يضيف عبئًا جديدًا إلى بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام والفقر. وكل تصعيد يؤجل فرص التسوية، ويعمق عزلة اليمن، ويجعل مستقبله أكثر ارتهانًا لحسابات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع مصالح اليمنيين.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه الحوثيون اليوم ليس: كم هجومًا آخر يمكن تنفيذه؟ بل: إلى أين يقود هذا الطريق؟
فالمملكة قادرة على حماية أمنها ومصالحها، بينما يستطيع الحوثي، بمواصلة التصعيد، أن يخسر ما تبقى له من مساحة سياسية وشعبية، وأن يحول نفسه من طرف في معادلة يمنية إلى عنوان دائم لمشروع إقليمي يتجاوز حدود اليمن ومصالح شعبه.
لقد تغيرت المنطقة .
وما كان ممكنًا بالأمس قد لا يكون ممكنًا اليوم، وما كان يوفر هامشًا للمناورة قد يتحول غدًا إلى مأزق استراتيجي. ومن يصر على إدارة المستقبل بأدوات الماضي قد يستيقظ في لحظة لا يجد فيها حليفًا قادرًا على إنقاذه، ولا مساحة سياسية تسمح له بالمساومة.
أما المملكة العربية السعودية ، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح هي أن أمنها ليس ورقة تفاوض، وأن ضبط النفس ليس عجزًا، وأن الدولة التي تختار توقيت ردها لا تكون بالضرورة أقل قدرة، بل قد تكون أكثر قدرة على إدارة الصراع وفق شروطها هي، لا وفق الإيقاع الذي يحاول خصمها فرضه.
لقد دخل الحوثي اليوم اختبار الحقيقة : هل يستطيع أن يواصل التصعيد من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا واستراتيجيًا متزايدًا؟ وهل يملك فعلًا من القوة ما يسمح له بخوض معركة طويلة، أم أنه يعتمد على وهم أن طهران ستظل قادرة على فتح الأبواب كلما أُغلقت في وجهه؟ .
الحقيقة التي قد يكون من الصعب تأجيلها أكثر هي أن مستقبل اليمن لا يُبنى بالصواريخ، وأن أمن الجماعة لا يتحقق بالارتهان إلى قوة خارجية، وأن اختبار صبر المملكة ليس لعبة بلا نهاية.
فالمنطقة تغيرت ، وطهران تضيق عليها دوائر المناورة، فيما تقف الرياض بثقلها السياسي والاستراتيجي، وبقدرة دولة تعرف كيف تحمي أمنها وتدافع عن مصالحها.
وفي مثل هذه المعادلات ، لا يكون الرهان الحقيقي على من يرفع صوته أكثر، بل على من يملك القدرة على الصبر ، والقرار ، والتوقيت ، وتحمل نتائج ما يفعله .
وهنا تحديدًا يبدأ اختبار الحقيقة أمام الحوثي .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *