تونس 31°C

14 جويلية 2026

تونس 38°C

14 جويلية 2026

حين تكشف الجنائز طبيعة الدول ! .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

ليست الجنائز مجرد لحظة وداع ، بل هي مرآة صادقة تكشف طبيعة الدول وفلسفة الحكم فيها .
في تلك اللحظات التي يغادر فيها الإنسان دنياه ، تسقط الحسابات الصغيرة ، ويظهر السؤال الأكبر و الاهم : هل تُصان كرامة الإنسان حتى بعد رحيله ، أم يصبح جسده آخر ما يُستثمر في معركة السياسة ؟.
هذا المعنى تجسد بوضوح في المشهدين اللذين رافقا وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، ووفاة المرشد الإيراني علي خامنئي .
في قطر، لم يتحول الموت إلى مناسبة للاستعراض ، ولم تُؤخَّر مراسم الدفن انتظارا لوصول قادة أو وفود رسمية ، ولم تُربط الجنازة بحسابات الصورة الإعلامية .
أُقيمت الصلاة، و ووري الفقيد الثرى في الوقت الذي يقتضيه الشرع الإسلامي ، في مشهد اتسم بالسكينة والوقار ، وقدمت فيه حرمة الميت على كلّ الاعتبارات من البروتوكول والسياسة .
كان ذلك تعبيرا صادقا عن ثقافة ترى أن الإنسان يظل مكرما حتى آخر لحظة من رحلة حياته ، وأن احترام الميت يبدأ بالإسراع في تجهيزه ودفنه ، امتثالا لهدي الإسلام ، لا بتأخيره من أجل عدسات الكاميرات أو مواعيد الوفود .
وعلى النقيض ، بدا المشهد في إيران مختلفا. فقد تحولت مراسم التشييع إلى عرض سياسي وإعلامي واسع ، امتلأت ساحاته بالشعارات والهتافات والرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج ، حتى بدا أن الجنازة لم تعد مجرد وداع لرجل ، بل مناسبة لإعادة التأكيد على حضور النظام وقوته واستمراريته .
عندما تتحول الجنازة إلى منصة لإثبات الشرعية ، يصبح الخطاب السياسي هو المتصدر ، بينما يتراجع الإنسان الذي يُفترض أن يكون محور لحظة الوداع .
وهنا يفقد الموت شيئًا من قدسيته ، ليصبح جزءا من أدوات التعبئة السياسية .
إن الفارق بين المشهدين لا يصنعه حجم الدولة ، ولا مكانة الراحل ، وإنما تصنعه فلسفة الحكم .
فالدول الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى تحويل الموت إلى رسالة قوة ، لأنها تستمد شرعيتها من مؤسساتها وثقة شعبها .
أما الأنظمة التي تجعل الأيديولوجيا محور وجودها ، فإنها تميل إلى توظيف كل مناسبة ، حتى أكثرها إنسانية ، لترسيخ سرديتها السياسية .
والمفارقة أن الإسلام ، الذي تستند إليه الدولتان ، لا يترك في هذه المسألة مجالا للاجتهاد ، فهو يحث على تعجيل تجهيز الميت ودفنه ، وصون كرامته ، وعدم تحميل جنازته ما ليس منها .
فالكرامة لا تُقاس بطول المراسم ، و التحشيد الشعبي ، ولا بعدد الكاميرات ، ولا بكثافة الهتافات ، وإنما بمدى احترام الإنسان وهو يغادر هذه الحياة متجها إلى ربّه .
لقد اختارت قطر أن يكون وداع الأمير الوالد فعل وفاء للدين والإنسان ، قبل أن يكون حدثا سياسيا.
بينما بدا في المشهد الإيراني أن السياسة تقدمت على كلّ طقوس الوداع ، وأن الرسالة الموجهة إلى الأحياء غلبت حق الراحل في وداع هادئ يليق بكرامة الموت .
وفي النهاية ، لا تطرح هاتان الجنازتان سؤالا عن شخصيتين لهما رمزية كبيرة رحلتا ، بقدر ما تطرحان سؤالا عن طبيعة الدول نفسها : هل تُكرِّم الإنسان لأنه إنسان ، أم تُحوِّل حتى لحظة رحيله إلى وسيلة لخدمة السلطة؟.
فالفرق الحقيقي لم يكن في عدد المشيعين، ولا في حجم التغطية الإعلامية ، بل تحديدا في الفلسفة التي حكمت المشهد .
في الدوحة، كان الإنسان هو محور الوداع . وفي طهران ، بدا أن النظام أراد أن يكون هو بطل المشهد الأخير و صورته .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية