ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
ليست كل التصريحات السياسية مجرد مواقف عابرة، فبعض الكلمات تتحول إلى وثائق تاريخية لأنها تُكتب بعقل رجل دولة يرى ما بعد الدخان ، ويبحث عن مستقبل الأجيال لا عن انتصارات اللحظة .
وهذا ما فعله وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في حواره مع صحيفة ” لوموند ” الفرنسية ، حين قدم رؤية تتجاوز الحرب ، وتلامس جوهر الأمن والاستقرار في منطقة الخليج .
في زمن ترتفع فيه أصوات المدافع أكثر من أصوات العقل ، جاء صوت عُمان هادئا ، لكنه بالغ القوة .
لم يتحدث الوزير بلغة المنتصر أو المهزوم ، ولم يسقط في فخ تبادل الاتهامات أو تصفية الحسابات ، بل اختار لغة المسؤولية ، وهي اللغة التي طالما ميزت الدبلوماسية العمانية ، القائمة على الحكمة ، والصبر ، وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة حتى في أكثر اللحظات تعقيدا .
أجمل ما في حديث الوزير العماني البوسعيدي أنه لم يتوقف عند سؤال : من أخطأ تحديدا ؟ ،بل انتقل مباشرة إلى السؤال الأهم : كيف نمنع تكرار الخطأ ؟ فالأمم العظيمة لا تعيش أسيرة الماضي ، وإنما تتعلم منه لتصنع مستقبلا أكثر أمنا واستقرارا .
لقد أدرك الوزير العماني ، أن الحرب الأخيرة لم تخلّف فقط خسائر مادية ، بل هزّت الكثير من المسلمات التي حكمت أمن الخليج طوال عقود .
ولذلك دعا بشجاعة فكرية إلى مراجعة السياسات القديمة ، وإلى الانتقال من منطق “ الاحتواء ” والإقصاء إلى منطق “ الشمول ” والحوار ، حيث تصبح جميع دول الخليج ، بما فيها إيران و العراق ، جزءا من منظومة أمنية مشتركة ، لا ساحات متقابلة في صراع دائم.
إنها رؤية تستحق التوقف عندها .
فالأمن الحقيقي لا يُبنى على القوة العسكرية وحدها ، ولا على سباقات التسلح ، وإنما على الثقة ، والقانون ، والمصالح المشتركة ، واحترام الجغرافيا التي لا يمكن تغييرها مهما تبدلت التحالفات.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في حديثه هو إصراره على أن حرية الملاحة في مضيق هرمز ليست شأنا إقليميا فحسب ، بل مسؤولية دولية تمس الاقتصاد العالمي بأسره .
لكنه، في الوقت نفسه ، رفض اختزال أمن المنطقة في المضيق وحده ، داعيا إلى رؤية أوسع تشمل باب المندب وشمال غرب المحيط الهندي ، بما يعكس فهما استراتيجيا عميقا لتشابك طرق التجارة والطاقة والأمن .
ولم يكن الوزير أسير الشعارات ، بل قدم خطابا متوازنا لا يدعو إلى القطيعة مع الحلفاء التاريخيين ، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة ، وإنما إلى إعادة تقييم العلاقات بما ينسجم مع التحولات التي كشفتها الحرب . إنها دعوة ناضجة إلى شراكات أكثر توازنا ، تقوم على المصالح المتبادلة لا على الافتراضات التي أثبت الواقع محدوديتها .
هذا النوع من الخطاب هو ما تحتاجه فعلا منطقتنا اليوم ، خطاب لا يبحث عن تأجيج الأزمات ، بل عن إطفائها ، ولا يراهن على الانقسام ، بل على بناء الثقة . ففي زمن أصبحت فيه لغة القوة هي السائدة ، يذكرنا بدر البوسعيدي بأن قوة الحكمة قد تكون أكثر تأثيرا وأطول عمرا من قوة السلاح .
لقد عُرفت سلطنة عُمان ، عبر تاريخها الحديث ، بأنها صوت الاتزان في منطقة تعج بالعواصف ، وأنها الدولة التي تفضل الجسور على المتاريس ، والحوار على المواجهة ، والدبلوماسية على المغامرة .
وجاء هذا الحوار ليؤكد مرة أخرى أن هذه السياسة ليست مجرد تكتيك ، بل رؤية استراتيجية راسخة .
إن كلمات الوزير بدر البوسعيدي ليست مجرد قراءة للحرب الأخيرة ، بل دعوة صادقة إلى كتابة فصل جديد في تاريخ الخليج ، عنوانه التعاون بدل الاحتواء ، والشراكة بدل الإقصاء ، والسلام بدل الحروب التي لم تجلب للمنطقة سوى الدمار والخسائر .
وحين يتحدث الحكماء في زمن الأزمات ، فإن كلماتهم لا تُقاس بضجيجها ، بل بقدرتها على إنقاذ المستقبل . وهذا بالضبط ما قدمه وزير الخارجية العماني في هذا الحوار ، رؤية تستحق أن تُقرأ بعناية ، وأن تُناقش بجدية ، لأنها تفتح نافذة أمل أمام منطقة تستحق أن تعيش أخيرا في ظل الأمن والاستقرار والازدهار .


